أبو حامد الغزالي

38

تهافت الفلاسفة

نشأ الغزالي والعالم الإسلامي يموج بمختلف الآراء وشتى النزعات ، وكل فريق يزعم أنه الناجي ، وكل حزب بما لديهم فرحون . وإذا كانت هذه الآراء كلها لا يمكن أن تكون صوابا - لأنها متقابلة متباينة ؛ ولأن الرسول صلى اللّه عليه وسلم يقول « ستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة ، الناجية منها واحدة » - وإذا كان الغزالي حريصا على مستقبله في العالم الآخر جد الحرص ، يخشى سوء العاقبة وشر المنقلب ، فما ذا هو فاعل ؟ ! لا شك أن اللجوء إلى فريق دون فريق - دون بحث - مجازفة وتقليد ، والحزم يقتضى البحث والتفتيش ، واستعمال النقد الجيد الجرىء ؛ إذ الأمر إما سعادة الأبد أو شقاء الأبد . وهذا ما صنع الغزالي ، قال : « إن اختلاف الخلق في الأديان والملل ، ثم اختلاف الأئمة في المذاهب ، بحر عميق ، غرق فيه الأكثرون ، وما نجا منه إلا الأقلون . . . ولم أزل في عنفوان شبابي - منذ راهقت البلوغ - أقتحم لجة هذا البحر العميق ، وأخوض غمراته خوض الجسور لا خوض الجبان الحذور ، وأتوغل في كل مظلمة ، وأتهجم على كل مشكلة ، وأتقحم كل ورطة ، وأتفحص عن عقيدة كل فرقة ، وأستكشف أسرار مذهب كل طائفة ؛ لأميز بين محق ومبطل ، ومتسنن ومبتدع ، لا أغادر باطنيا إلا وأحب أن أطلع على بطانته ، ولا ظاهريا إلا وأريد أن أعلم حاصل ظهارته ، ولا فلسفيا إلا وأقصد الوقوف على كنه فلسفته ، ولا متكلما إلا وأجتهد في الاطلاع على غاية كلامه ومجادلته ، ولا صوفيا إلا وأحرص على العثور على سر صفوته ، ولا متعبدا إلا وأترصد ما يرجع إليه حاصل عبادته ، ولا زنديقا معطلا إلا وأتجسس وراءه للتنبه لأسباب جرأته في تعطيله وزندقته . وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبى وديدنى ، من أول أمرى وريعان عمرى ، عزيزة وفطرة من اللّه وضعتا في جبلتى ، لا باختيارى وحيلتي ، حتى انحلت عنى رابطة التقليد ، وانكسرت علىّ العقائد الموروثة ، على قرب عهد بسن الصبا « 1 » » .

--> ( 1 ) المنقذ من الضلال - إخراج جميل صليبا ، وكامل عياد - الطبعة الثالثة ص 66 ، 7 ، 8 ، 9 .