أبو حامد الغزالي
39
تهافت الفلاسفة
لا ريب أن ترك التقليد جانبا ، وإطراح سلطة العقائد الموروثة ، ووضع الآراء المتقابلة المتباينة على بساط البحث لاختيار ما يثبت النقد جودته وصلاحيته ، شك أو بوادر شك . والشك - ككل الأمور النفسية - لا يظهر فجأة ، وإنما يدب إلى النفس دبيبا خفيا ، حتى ربما لا تشعر به نفس صاحبه ، ثم لا يزال يقوى على الأيام شيئا فشيئا ، حتى يضايق النفس ويخنقها . كذلك قد يعمل عليه جملة أسباب متضافرة ، يعاون بعضها عمل بعض ، وقد بخفى بعض هذه الأسباب ويدق حتى لا تقع عليه أعين الباحثين . لذلك يختلف كثيرا حول تحديد زمنه وتحديد أسبابه . ومن هنا اختلف الباحثون حول تحديد زمن هذه الأزمة النفسية التي انتابت الغزالي ، فالأستاذان « كامل عياد » و « جميل صليبا » يذهبان إلى رأى ، والأستاذ « ديبور » يذهب إلى آخر ، والدكتور « زويمر » يذهب إلى ثالث ، والأستاذ « ماكدونالد » يذهب إلى رابع ، وكلهم - فيما أرى - أخطأهم التوفيق « 1 » . وعندي أن الشك قد لعب مع الغزالي دورين هامين : ( ا ) دور كان فيه الشك خفيفا سمحا من النوع الذي يعترى كثيرا من الباحثين . ( ب ) ودور كان فيه الشك عنيفا هداما من النوع الذي يعترى كبار الفلاسفة والمفكرين . أما الدور الأول فيصور بأن الغزالي رأى أمامه فرقا متعددة ، وآراء متنابذة متباينة ، فرأى أن ينصف من نفسه ومن هذه الفرق جميعا ، فألغى سلطة الآراء الموروثة ، وأطرح قداستها ، وأخذ يبحث عن الحق من بين هذه الفرق . فشكه في هذه المرحلة يتشخص - إن صح هذا التعبير - في « أي هذه الفرق على حق ؟ ! » راح الغزالي يفتش عن طلبته هذه ، مستعينا بالعقل ، وبالحواس ، وبظواهر
--> ( 1 ) وقد أبنت ذلك بإيضاح في كتابي « الحقيقة في نظر الغزالي »