أبو حامد الغزالي

32

تهافت الفلاسفة

2 - المعرفة المنطقية والرياضية ، وطريقها العقل . 3 - المعرفة التجريبية ، وطريقها الحواس ، وغايتها الظن ، لا اليقين . * * * وليس يهمني هنا أن أدعى أن ديكارت ، وهاملتون ، ورسل ، وأرباب الوضعية الحديثة - وكلهم متأخرون في الزمن عن الغزالي - قد قرؤا له في لغته ، أو قرؤا عنه مترجما إلى لغاتهم . وإن كان ذلك أمرا جد خطير في نفسه ، يهتم له تاريخ الفلسفة الذي يساير الأفكار منذ نشأتها ، ويتابعها في مراحل تطورها ، ويتبين مدى تأثيرها وتأثرها ! إذ يستوى لدىّ أن يكون هؤلاء المفكرون قد تأثروا خطى الغزالي ، وقلدوه في أفكاره ، وائتموا به في آرائه ، وأن يكون التشابه بينهم وبينه من باب المصادفة المحضة وتوافق الخواطر ؛ فإنه إذا كانت الحالة الأولى يهتم لها المتعصبون للشرق ورجاله ، ويرونه فخرا كبيرا أن يتتلمذ الغرب الحديث للشرق القديم ؛ فإن الحالة الثانية عندي أعظم شأنا وأجل خطرا ؛ إذ أن فيها برهانا على أن الغرب الحديث بعد أن طوف في آفاق المعرفة ما شاء أن يطوف ، انتهى به المطاف عند تلكم الأفكار التي فرغ الشرق منها منذ بعيد ، وعلى أن الفكر في مراحله الأخيرة ، عاد فأخذ نفس الصورة التي كانت له في مراحله الأولى . ومهما يكن من شئ فلست أحب أن تفوتني هنا الإشارة إلى أن ما قرأته - في المصادر الأجنبية - عما يسمى فلسفة حديثة ، ليس كله جديدا كل الجدة ، بل يداخله كثير من العناصر القديمة . لقد قرأت في الإنجليزية مثلا عن ال IDEALISM - نظرية المعنى « 1 » - وقرأت أن مؤسسها هو باركلى Berkeley الفيلسوف الإنجليزى الذائع الصيت وخلاصة رأيه في هذه النظرية أن الوجود الأصيل للأشياء هو كونها في علم اللّه ، فالأشياء ليست إلا أفكارا في علم اللّه . ولقد حضرني عند قراءة هذه النظرية تعريف الأقدمين للصدق بأنه مطابقة الخبر للواقع ، وتفسيرهم الواقع بأنه علم اللّه

--> ( 1 ) هكذا أحب أن أسميها ، ويسميها آخرون النظرية المثالية ، أو النظرية الصورية .