أبو حامد الغزالي
286
تهافت الفلاسفة
وما ذكرتموه : من استحالة هذا بكون النفوس غير متناهية ، وكون المواد متناهية ، محال لا أصل له ، فإنه بناء على قدم العالم ، وتعاقب الأدوار على الدوام ، ومن لا يعتقد قدم العالم ، فالنفوس المفارقة للأبدان ، عنده متناهية ، وليست أكثر من المواد الموجودة ، وإن سلم أنها أكثر ، فاللّه تعالى قادر ، على الخلق واستئناف الاختراع ، وإنكاره إنكار لقدرة اللّه تعالى على الإحداث ، وقد سبق إبطاله في مسألة حدوث العالم . وأما إحالتكم الثانية ، بأن هذا تناسخ ، فلا مشاحة في الأسماء ، فما ورد الشرع به يجب تصديقه ، فليكن تناسخا ، ونحن إنما ننكر التناسخ في هذا العالم ، وأما البعث فلا ننكره ، سمى تناسخا ، أو لم يسم تناسخا . وقولكم : إن كل مزاج استعد لقبول نفس ، استحق حدوث نفس من المبادئ ، رجوع إلى أن حدوث النفوس ، بالطبع لا بالإرادة ، وقد أبطلنا ذلك في مسألة حدوث العالم ، كيف ! ولا يبعد على مساق مذهبكم أيضا ، أن يقال إنما يستحق حدوث نفس ، إذا لم تكن ثمّ نفس موجودة ، فتستأنف نفس . فيبقى أن يقال فلم لم تتعلق بالأمزجة المستعدة في الأرحام قبل البعث والنشور ، بل في عالمنا هذا . فيقال : لعل الأنفس المفارقة ، تستدعى نوعا آخر من الاستعداد ، ولا يتم سببها إلا في ذلك الوقت ، ولا بعد في أن يفارق الاستعداد ، المشروط للنفس الكاملة المفارقة ، الاستعداد المشروط للنفس الحادثة ابتداء التي لم تستفد كمالا ، بتدبير البدن مدة ، واللّه تعالى أعلم ، بتلك الشروط ، وأسبابها ، وأوقات حضورها وقد ورد الشرع به ، وهو ممكن ، فيجب التصديق به . المسلك الثاني أن قالوا : ليس في المقدور ، أن يقلب الحديد ثوبا منسوجا ، بحيث تنعم به الأجسام ، إلا بأن تتحلل أجزاء الحديد ، إلى بسائط العناصر ،