أبو حامد الغزالي
287
تهافت الفلاسفة
بأسباب تستولى على الحديد ، فتحلله إلى بسائط العناصر ، ثم تجتمع العناصر ، وتدار في أطوار في الخلقة ، إلى أن تكتسب صورة القطن ، ثم يكتسب القطن ، صورة الغزل ، ثم الغزل يكتسب الانتظام المعلوم ، الذي هو النسج ، على هيأة معلومة ، ولو قيل : إن قلب الحديد ، عمامة قطنية ، ممكن من غير الاستحالة في هذه الأطوار ، على سبيل الترتيب ، لكان محالا . نعم يجوز أن يخطر ببال الإنسان ، أن هذه الاستحالات يجوز أن تحصل كلها في زمان متقارب ، لا يحس الإنسان بطوله ، فيظن أنه وقع ، فجأة دفعة واحدة . وإذا عقل هذا ؛ فالإنسان المبعوث المحشور ، لو كان بدنه من حجر ، أو ياقوت ، أو درّ ، أو تراب محض ، لم يكن إنسانا ، بل لا يتصور أن يكون إنسانا ، إلا أن يكون متشكلا ، بالشكل المخصوص ، مركبا من العظام ، والعروق ، واللحوم ، والغضاريف ، والأخلاط . والأجزاء المفردة ، تتقدم على المركبة ، فلا يكون البدن ، ما لم تكن الأعضاء ، ولا تكون الأعضاء المركبة ، ما لم تكن العظام ، واللحوم ، والعروق ، ولا تكون هذه المفردات ، ما لم تكن الأخلاط ، ولا تكون الأخلاط الأربعة ، ما لم تكن موادها ، من الغذاء ، ولا يكون الغذاء ، ما لم يكن حيوان ، أو نبات ؛ وهو اللحم والحبوب ، ولا يكون حيوان ونبات ، ما لم تكن العناصر الأربعة جميعا ، ممتزجة بشرائط مخصوصة طويلة ، أكثر مما فصلنا جملتها . فإذن لا يمكن أن يتجدد بدن إنسان ، لترد النفس إليه ، إلا بهذه الأمور ، ولها أسباب كثيرة . أفينقلب التراب إنسانا ، بأن يقال له كن ؟ ؛ ، أو بأن تمهد أسباب انقلابه ، في هذه الأدوار ؟ ؛ ، وأسبابه هي إلقاء النطفة المستخرجة ، من لباب بدن الإنسان ، في رحم ، حتى يستمد من دم الطمث ، ومن الغذاء مدة طويلة حتى يتخلق مضغة ، ثم علقة ، ثم جنينا ، ثم طفلا ، ثم شابا ، ثم كهلا ، ثم شيخا .