أبو حامد الغزالي

285

تهافت الفلاسفة

هذا التدبير ، ولا يمكن أعادة الإنسان ، وبدنه من خشب أو حديد ، بل لا يكون إنسانا إلا إذا انقسمت أعضاء بدنه إلى اللحم ، والعظم والأخلاط ، ومهما استعد البدن والمزاج ، لقبول نفس ، استحق من المبادئ الواهبة للنفوس ، حدوث نفس ، فيتوارد على البدن الواحد نفسان . وبهذا بطل مذهب التناسخ وهذا المذهب هو عين التناسخ ، فإنه رجع إلى اشتغال النفس ، بعد خلاصها من البدن ، بتدبير بدن آخر ، غير البدن الأول ، فالمسلك الذي يدل على بطلان التناسخ ، يدل على بطلان هذا المذهب . * * * الاعتراض ، أن يقال بم تنكرون على من يختار القسم الأخير ، ويرى أن النفس باقية بعد الموت ، وهي جوهر قائم بنفسه ، فإن ذلك لا يخالف الشرع ، بل دل عليه الشرع ، في قوله تعالى : « وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً ، بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ، يُرْزَقُونَ ، فَرِحِينَ . . . الخ » وبقوله - صلى اللّه عليه وسلم : - « أرواح الصالحين ، في حواصل طيور خضر ، معلقة تحت العرش » . وبما ورد من الأخبار ، بشعور الأرواح بالخيرات والصدقات وسؤال منكر ونكير ، وعذاب القبر ، وغيره ، وكل ذلك يدل على البقاء . نعم قد دل مع ذلك على البعث والنشور بعده ، وهو بعث البدن ، وذلك ممكن ، بردها إلى بدن ، أىّ بدن كان ، سواء كان من مادة البدن الأول ، أو من غيره ، أو من مادة استؤنف خلقها ، فإنه هو بنفسه لا ببدنه ، إذ تتبدل عليه أجزاء البدن ، من الصغر إلى الكبر ، بالهزال والسمن ، وتبدل الغذاء ، ويختلف مزاجه مع ذلك ، وهو ذلك الإنسان بعينه ، فهذا مقدور للّه تعالى ، ويكون ذلك عودا ، لتلك النفس ، فإنه كان قد تعذر عليها أن تحظى بالآلام واللذات الجسمية ، بفقد الآلة ، وقد أعيدت إليها ، آلة مثل الأولى ، فكان ذلك عودا محققا . * * *