أبو حامد الغزالي
284
تهافت الفلاسفة
مادة واحدة كانت بدنا للمأكول ، وصارت بالغذاء بدنا للآكل ، ولا يمكن رد نفسين إلى بدن واحد . 2 - والثاني ، أنه يجب أن يعاد جزء واحد ، كبدا وقلبا ، ويدا ، ورجلا ، فإنه ثبت بالصناعة الطبية ، أن الأجزاء العضوية ، يتغذى بعضها ، بفضلة غذاء البعض ، فيتغذى الكبد بأجزاء القلب ، وكذلك سائر الأعضاء ، فنفرض أجزاء معينة ، قد كانت مادة لجملة من الأعضاء ، فإلى أي عضو تعاد ؟ ؛ . بل لا يحتاج في تقرير الاستحالة الأولى ! « 1 » ، إلى أكل الناس الناس ، فإنك إذا تأملت ظاهر التربة المعمورة ، علمت بعد طول الزمان ، أن ترابها جثث الموتى ، قد تتربت وزرع فيها وغرس ، وصارت حبا وفاكهة ، وتناولتها الدواب ، فصارت لحما ، وتناولناها فصارت أبدانا لنا ، فما من مادة يشار إليها ، إلا وقد كانت بدنا لأناس كثيرين ، فاستحالت وصارت ترابا ، ثم نباتا ، ثم لحما ثم حيوانا . بل يلزم منه محال ثالث ، وهو أن النفوس المفارقة للأبدان ، غير متناهية ، والأبدان أجسام متناهية ، فلا تفي المواد ، التي كانت مواد الإنسان ، بأنفس الناس كلهم ، بل تضيق عنهم . * * * ( ج ) وأما القسم الثالث ، وهو رد النفس إلى بدن إنساني من أي مادة كانت ، وأي تراب اتفق ، فهو محال من وجهين : 1 - أحدهما أن المواد القابلة للكون والفساد ، محصورة في مقعر فلك القمر ، لا يمكن عليها مزيد ، وهي متناهية ، والأنفس المفارقة للأبدان ، غير متناهية ، فلا تفي بها . 2 - والثاني ، أن التراب لا يقبل تدبير النفس ، ما بقي ترابا ، بل لا بد أن تمتزج العناصر امتزاجا ، يضاهى امتزاج النطفة ، بل الخشب والحديد ، لا يقبل
--> ( 1 ) يعنى ما ورد في رقم « ا » .