أبو حامد الغزالي

283

تهافت الفلاسفة

فإذا عدمت الحياة والروح ، فما عدم لا يعقل عوده ، وإنما يستأنف مثله ، ومهما خلق اللّه تعالى حياة إنسانية في تراب ، يحصل من بدن شجر ، أو فرس ، أو نبات ، كان ذلك ابتداء خلق إنسان . فالمعدوم قط ، لا يعقل عوده ، والعائد هو الموجود ، أي عاد إلى حالة كانت له من قبل ، أي إلى مثل تلك الحالة ، فالعائد هو التراب ، إلى صفة الحياة . وليس الإنسان إنسانا ببدنه ، إذ قد يصير بدن الفرس غذاء لإنسان ، فتتخلق منه نطفة ، يحصل منها إنسان ، فلا يقال : الفرس انقلب إنسانا ، بل الفرس فرس بصورته ، لا بمادته ، وقد انعدمت الصورة ، وما بقي إلا المادة . * * * وأما القسم الثاني ، وهو تقدير بقاء النفس وردها إلى ذلك البدن بعينه ، فهو لو تصور ، لكان معادا ، أي عودا إلى تدبير البدن بعد مفارقته ، لكنه محال ، إذ بدن الميت يستحيل ترابا ، أو تأكله الديدان والطيور ، ويستحيل دماء وبخارا وهواء ، ويمتزج بهواء العالم ، وبخاره ، ومائه امتزاجا يبعد انتزاعه ، واستخلاصه . ولكن إن فرض ذلك اتكالا على قدرة اللّه تعالى ، فلا يخلو ، إما أن يجمع الأجزاء التي مات عليها فقط ، فينبغي أن يعاد الأقطع ، ومجذوع الأنف ، والأذن ، وناقص الأعضاء ، كما كان ، وهذا مستقبح لا سيما في أهل الجنة ، وهم الذين خلقوا ناقصين ، في ابتداء الفطرة ، فإعادتهم إلى ما كانوا عليه ، من الهزال عند الموت ، في غاية النكال . هذا إن اقتصر على جمع الأجزاء الموجودة عند الموت . وإن جمع جميع أجزائه التي كانت موجودة في جميع عمره ، فهو محال من وجهين : 1 - أحدهما ، أن الإنسان إذا تغذى بلحم إنسان ، وقد جرت العادة به في بعض البلاد ، ويكثر وقوعه في أوقات القحط . فيتعذر حشرهما جميعا ، لأن