أبو حامد الغزالي

282

تهافت الفلاسفة

وهذا قسم . ( ج ) وإما أن يقال : ترد النفس إلى بدن ، سواء كان من تلك الأجزاء بعينها ، أو من غيرها ، ويكون العائد ذلك الإنسان ، من حيث إن النفس تلك النفس ، فأما المادة فلا التفات إليها ، إذ الإنسان ليس إنسانا بها ، بل بالنفس . * * * وهذه الأقسام الثلاثة باطلة . أما الأول فظاهر البطلان ، لأنه مهما انعدمت الحياة والبدن ، فاستئناف خلقهما ، إيجاد لمثل ما كان ، لا لعين ما كان ، بل العود المفهوم ، هو الذي يفرض فيه بقاء شئ ، وتجدّد شئ ، كما يقال فلان عاد إلى الإنعام ، أي أن المنعم باق ، وترك الإنعام ، ثم عاد إليه ، أي عاد إلى ما هو الأول بالجنس ، ولكنه غيره بالعدد ، فيكون عودا بالحقيقة إلى مثله ، لا إليه ، ويقال : فلان عاد إلى البلد ، أي بقي موجودا خارج البلد ، وقد كان له كون في البلد ، فعاد إلى مثل ذلك ، فإن لم يكن شئ باقيا ، وشيئان متعددان متماثلان ، يتخللهما زمان ، لم يتم اسم العود ، إلا أن يسلك مذهب المعتزلة ، فيقال : المعدوم شئ ثابت ، والوجود حال يعرض له مرة ، وينقطع تارة ، ويعود أخرى ، فيتحقق معنى العود ، باعتبار بقاء الذات ، ولكنه رفع للعدم المطلق ، الذي هو النفي المحض ، وهو إثبات للذات مستمرة الثبات ، إلى أن يعود إليها الوجود ، وهو محال . فإن احتال ناصر هذا القسم ، بأن قال : تراب البدن لا يفنى ، فيكون باقيا ، فتعاد إليه الحياة . فنقول : عند ذلك يستقيم أن يقال : عاد التراب حيا ، بعد أن انقطعت الحياة عنه مدة ، ولا يكون ذلك عودا للإنسان ، ولا رجوع ذلك الإنسان بعينه ، لأن الإنسان إنسان لا بمادته ، والتراب الذي فيه ، إذ تتبدل عليه سائر الأجزاء ، أو أكثرها بالغذاء ، وهو ذاك الأول بعينه ، فهو هو ، باعتبار روحه ونفسه ،