أبو حامد الغزالي
264
تهافت الفلاسفة
وذلك لا يوجب فسادها بفساد البدن ، التي هي مشتاقة بالجبلة إلى تدبيره ، نعم قد يبقى ذلك الشوق ، بعد مفارقة البدن ، إن استحكم في الحياة اشتغالها بالبدن وإعراضها عن كسر الشهوات ، وطلب المعقولات ، فتتأذى بذلك الشوق ، مع مع فوات الآلة التي يصل بها الشوق إلى مقتضاه « 1 » . وأما تعين نفس زيد لشخص زيد ، في أول الحدوث ، فلسبب ومناسبة ، بين البدن والنفس لا محالة ، حتى يكون هذا البدن مثلا ، أصلح لهذه النفس من الأخرى لمزيد مناسبة بينهما ، فيترجح اختصاصه ، وليس في القوة البشرية إدراك خصوص تلك المناسبات ، وعدم اطلاعنا على تفصيلها ، لا يشككنا في أصل الحاجة إلى مخصص ، ولا يضرنا أيضا في قولنا : إن النفس لا تفنى بفناء البدن . قلنا : مهما غابت المناسبة عنا ، وهي المقتضية للاختصاص ، فلا يبعد أن تكون تلك المناسبة المجهولة ، على وجه يحوج النفوس في بقائها إلى بقاء البدن ،
--> ( 1 ) في الأصل « مقتضاها » .