أبو حامد الغزالي
265
تهافت الفلاسفة
حتى إذا فسد فسدت ، فإن المجهول لا يمكن الحكم عليه ، بأنه يقتضى التلازم أم لا ، فلعل تلك النسبة ضرورية في وجود النفس ، فإن انعدمت انعدمت ، فلا ثقة بالدليل الذي ذكروه . الاعتراض الثالث ، هو أنه لا يبعد أن يقال : تنعدم بقدرة اللّه تعالى كما قررناه في مسألة سرمدية العالم . الاعتراض الرابع ، هو أن يقال : ذكرتم أن هذه الطرق الثلاث في العدم تنحسم ، وهو مسلم ، فما الدليل على أن عدم الشئ ، لا يتصور إلا بطريق من هذه الطرق الثلاث ؟ ؛ ، فإن التقسيم إذا لم يكن دائرا بين النفي والإثبات ، فلا يبعد أن يزيد على الثلاث والأربع ، فلعل للعدم طريقا رابعا ، وخامسا ، سوى ما ذكرتموه ، فحصر الطرق في هذه الثلاث غير معلوم بالبرهان . دليل ثان ، وعليه تعويلهم ، أن قالوا : كل جوهر ليس في محل ، فيستحيل عليه العدم ، بل البسائط لا تنعدم قط ، وهذا الدليل ، يثبت فيه أولا أن انعدام البدن ، لا يوجب انعدام النفس لما سبق ، فبعد ذلك يقال : يستحيل أن ينعدم بسبب آخر ، لأن كل ما ينعدم بسبب ما ، - أي سبب كان - ففيه قوة الفساد ، قبل الفساد ، أي إمكان العدم سابق على العدم ، كما أن ما يطرأ وجوده من الحوادث ، فيكون إمكان الوجود سابقا على الوجود ، ويسمى إمكان الوجود ، قوة الوجود ! وإمكان العدم قوة الفساد ، وكما أن إمكان الوجود وصف إضافى ، لا يقوم إلا بشئ ، حتى يكون إمكانا بالإضافة إليه ، فكذلك إمكان العدم ولذلك قيل : إن كل حادث ، مفتقر إلى مادة سابقة ، يكون فيها إمكان وجود الحادث وقوته ، كما سبق في مسألة قدم العالم ، فالمادة التي فيها قوة الوجود ، قابلة للوجود الطارئ ، والقابل غير المقبول ، فيكون القابل موجودا مع المقبول عند طريانه ، وهو غيره ، فكذلك قابل العدم ، ينبغي أن يكون موجودا عند طريان العدم ، حتى يعدم منه شئ ، كما وجد فيه شئ ، ويكون ما عدم غير ما بقي ، ويكون