أبو حامد الغزالي
261
تهافت الفلاسفة
وباطل أن يقال : إنها تنعدم بالضد ، إذ الجواهر لا ضد لها ، ولذلك لا ينعدم في العالم إلا الأعراض والصور المتعاقبة على الأشياء ، إذ تنعدم صورة المائية بضدها ، وهي صورة الهوائية ، والمادة التي هي المحل ، لا تنعدم قط ، وكل جوهر ليس في محل ، فلا يتصور عدمه بالضد ، إذ لا ضد لما ليس في محل ، فإن الأضداد هي المتعاقبة على محل واحد . وباطل أن يقال : تفنى بالقدرة ، إذ العدم ليس شيئا حتى يتصور وقوعه بالقدرة ، وهذا عين ما ذكروه في مسألة أبدية العالم ، وقد قررناه وتكلمنا عليه . والاعتراض عليه من وجوه : الأول : أنه بناء على أن النفس لا تموت بموت البدن ، لأنها ليست حالة في جسم ، وهو بناء على المسألة الأولى « 1 » ، فقد لا نسلم ذلك . الثاني : أنه مع أنها لا تحل البدن عندهم ، فلها علاقة بالبدن ، حتى لم تحدث إلا بحدوث البدن ، وهذا ما أختاره « ابن سينا » والمحققون منهم ، وأنكروا على « إفلاطن » قوله : إن النفس قديمة ، ويعرض لها الاشتغال بالأبدان ، بمسلك برهاني محقق . وهو أن النفوس قبل الأبدان ، إن كانت واحدة ، فكيف انقسمت ؟ ! ، وما لا حجم له ولا مقدار ، لا يعقل انقسامه ، وإن زعم أنها لم تنقسم « 2 » فهو محال ، إذ يعلم ضرورة أن نفس زيد ، غير نفس عمرو ، ولو كانت واحدة ، لكانت معلومات زيد ، معلومة لعمرو ، فإن العلم من صفات ذات النفس ، وصفات الذات تدخل مع الذات في كل إضافة ، وإن كانت النفوس متكثرة « 3 »
--> ( 1 ) يعنى المسألة الثامنة عشرة وهي التي قبل هذه مباشرة . ( 2 ) مقابل لقوله : فكيف انقسمت . ( 3 ) مقابل لقوله : إن كانت واحدة .