أبو حامد الغزالي
262
تهافت الفلاسفة
فبماذا تكثرت ؟ ! ولم تتكثر بالمواد ، ولا بالأماكن ، ولا بالأزمنة ، ولا بالصفات إذ ليس فيها ما يوجب اختلاف الصفة . بخلاف النفوس بعد موت البدن ، فإنها تتكثر باختلاف الصفات ، عند من يرى بقاءها ، لأنها استفادت من الأبدان هيئآت مختلفة ، لا تتماثل نفسان منها ، فإن هيئآتها تحصل من الأخلاق ، والأخلاق لا تتماثل قط ، كما أن الخلق الظاهر لا يتماثل قط ، ولو تماثل لاشتبه علينا زيد بعمرو . ومهما ثبت بحكم هذا البرهان حدوثها ، عند حدوث النطفة في الرحم ، واستعداد مزاجها ، لقبول النفس المدبرة ، ثم قبلت « 1 » النفس ، لا لأنها « 2 » نفس فقط ، إذ قد تستعد في رحم واحد نطفتان لتوأمين في حال واحدة ، للقبول ، فيتعلق بهما نفسان ، تحدثان من المبدأ الأول بواسطة أو بغير واسطة ، ولا تكون نفس هذا مدبرة لجسم ذاك ، ولا نفس ذاك مدبرة لجسم هذا ، فليس الاختصاص إلا لعلاقة خاصة ، بين النفس المخصوصة ، وبين ذلك البدن المخصوص ، وإلا فلا يكون بدن أحد التوأمين ، بقبول هذه النفس ، أولى من الآخر ، وإلا فقد حدثت نفسان معا ، واستعدت نطفتان لقبول التدبير معا ، فما المخصص ؟ ! ، فإن كان ذلك المخصص هو الانطباع فيه ، فيبطل ببطلان البدن ، وإن كان ثم وجه آخر ، به العلاقة ، بين هذه النفس على الخصوص ، وبين هذا البدن على الخصوص ، حتى كانت تلك العلاقة شرطا في حدوثه ، فأي بعد في أن تكون شرطا في بقائه ؟ ؛ ، فإذا انقطعت العلاقة ، انعدمت النفس ، ثم لا يعود وجودها إلا بإعادة اللّه سبحانه وتعالى ، على سبيل البعث والنشور ، كما ورد به الشرع « 3 » في المعاد .
--> ( 1 ) أي النطفة . ( 2 ) أي النفس المقبولة . ( 3 ) من حق الغزالي أن يعترض على الفلاسفة بهذا الاعتراض وأشباهه ، ليبين لهم أن هناك احتمالات أخرى ، يمكن أن يضعها العقل موضع الاعتبار ، إذ ليس لديهم من المسوغات ما يضطره لقبول هذا الاحتمال الذي يتشبثون به ؛ على ما عودنا من طريقته في هذا الكتاب ، التي تتسم بأنها طريقة المشكك ، لا طريقة المثبت الممهد . وليس من حقه أن يدعى أن النفس - على أنها جوهر مجرد عن المادة ، قائم بنفسه - تفنى بموت البدن ، مبررا رأيه في ذلك بأنه كما كان شرطا لحدوثها ، هو أيضا شرط لبقائها ، ثم يعيدها اللّه تعالى ، حين يعيد لها هذا البدن ، على سبيل البعث والنشور . نعم ليس من حقه أن يدعى ذلك منسوبا إلى الشرع ! ! ! ، فأين هذا من نصوص الشرع التي تثبت الحياة البرزخية ، وأن قبل البعث والنشور ، وبعد الموت ، حياة ؟ ! . كقوله تعالى « وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً ، بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ، فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ، وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ ، أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ » . وليس في هذه الآية ما يدل على أن الحياة البرزخية خاصة بالشهداء - كما يريد بعض الناس أن يفهم ذلك - بل الخاص بهم هو هذا اللون من البهجة والسرور ، والنعمة والحبور . وكأن قصر النص عليهم لتطمئن بهذه المغريات القلوب التي كان يخالطها الفزع ، ويساورها الرعب ، من المخاطرة والتضحية بأثمن شئ في الوجود . على أنا لو فرضنا أن الحياة البرزخية خاصة بالشهداء ، لكان في إثباتها ما يبطل رأى الغزالي الذاهب إلى أن الشرع قد جاء بأن النفس تفنى بعد موت البدن ، لاحتياج في النفس إلى البدن يجعلها لا تستطيع البقاء بعد موته ، إذ قد تخلف ذلك في حياة الشهداء الروحية ، بعد موت أبدانهم . وكقوله صلى اللّه عليه وسلم « ما أنتم بأسمع منهم » جوابا لأصحابه وقد سألوه حين ألقى السلام على الموتى ، أو يسمعون ؟ ! . وكثير في هذا الباب غير هذا الحديث ، مما هو معروف مشهور فلا نطيل بذكره . فأين من هذه النصوص ما يدعيه الغزالي منسوبا إلى الشرع ؟ ! ! . على أنى لم أشأ أن أتسرع بسوء الظن ، فقلت : لعله يعنى بالوارد شرعا ما يتمذهب به المتكلمون الذين يناصرهم بتأليف هذا الكتاب ، أو فريق منهم على الأقل ؛ فرجعت إلى كتب الكلام فوجدت السيد الشريف يقول في شرحه للمواقف ج 8 ص 297 « واعلم أن الأقوال الممكنة في مسألة المعاد لا تزيد على خمسة : ( ا ) الأول ثبوت المعاد الجسماني فقط ، وهو قول أكثر المتكلمين النافين للنفس الناطقة . ويعقب المحشى على قوله « النافين للنفس الناطقة » بقوله « والقائلين بأن النفس جسم ، إما هذا الهيكل المخصوص ، أو جسم داخل فيه ، وهو الأجزاء الأصلية ، كما علم من مذهبهم » . ( ب ) والثاني ثبوت المعاد الروحاني فقط ، وهو قول الفلاسفة الإلهيين . ( ج ) والثالث ثبوتهما معا ، وهو قول كثير من المحققين ، كالحليمى ، والغزالي ، والراغب ، وأبى زيد الدبوسى ، ومعمر من قدماء المعتزلة ، وجمهور من متأخري الإمامية ، وكثير من الصوفية . فإنهم قالوا : الإنسان بالحقيقة هو النفس الناطقة ، وهي المكلف ، والمطيع ، والعاصي ، والمثاب ، والمعاقب ، والبدن يجرى منها مجرى الآلة ، والنفس باقية بعد فساد البدن ، فإذا أراد اللّه تعالى حشر الخلائق ، خلق لكل واحد من الأرواح ، بدنا يتعلق به ، ويتصرف ، كما كان في الدنيا . ( د ) والرابع عدم ثبوت شئ منهما ، وهذا قول القدماء من الفلاسفة الطبيعيين . ( ه ) والخامس التوقف في هذه الأقسام ، وهو المنقول عن جالينوس ، فإنه قال : لم يتبين لي أن النفس . هل هي المزاج ؟ ؛ فينعدم عند الموت ، فيستحيل إعادتها ، أو هي جوهر باق بعد فساد البنية ؟ ؛ فيمكن المعاد حينئذ » . وليس في هذا النص ما يفيد أن جمهرة المتكلمين يقولون بنفس مجردة ، فضلا عن أن بينها وبين البدن علاقة خاصة . . إلى آخر ما يقوله الغزالي . نعم فيه أن الغزالي وطائفة معه ، يقولون : إن الإنسان مكون من نفس مجردة وجسم ، وأنه إنسان بهما معا في الدنيا ، وإنسان بهما معا في الآخرة ، ولعله وطائفته ، يستطيعون أن يجدوا لذلك مسوغا من النصوص . أما أن النفس المجردة تفنى بموت البدن ، ثم تخلق عند إحيائه بالبعث والنشور ، فهو ما لم يعرف لغيره من هذه الطائفة ، بل ولا له بمقتضى هذا النص ، فضلا عن أن يكون هو ما ورد به الشرع .