أبو حامد الغزالي

249

تهافت الفلاسفة

للعلم والجهل ، ولم تشترطوا سوى الحياة ، شريطة أخرى ، وسائر أجزاء البدن عندكم في قبول العلم على وتيرة واحدة . الاعتراض : أن هذا ينقلب عليكم في الشهوة والشوق والإرادة ، فإن هذه الأمور تثبت للبهائم والإنسان ، وهي معان تنطبع في الجسم ، ثم يستحيل أن ينفر عما يشتاق إليه ، فيجتمع فيه النفرة والميل إلى شئ واحد ، بوجود الشوق في محل والنفرة في محل آخر ، وذلك لا يدل على أنها لا تحل الأجسام ، وذلك لأن هذه القوى وإن كانت كثيرة ، ومتوزعة على آلات مختلفة ، فلها رابطة واحدة وهي النفس ، وذلك للبهيمة والإنسان جميعا ، وإذا اتحدت الرابطة ، استحالت الإضافات المتناقضة ، بالنسبة إليها ، وهذا لا يدل على كون النفس ، غير منطبعة في الجسم ، كما في البهائم . دليل خامس قولهم : إن كان العقل يدرك المعقول بآلة جسمانية ، فهو لا يعقل نفسه ، والتالي محال ، لأنه يعقل نفسه ، فالمقدم محال . قلنا : مسلم أن « استثناء نقيض التالي » ، ينتج « نقيض المقدم » ، ولكن إذا ثبت اللزوم بين التالي والمقدم ، بل نقول : لا يسلم لزوم التالي للمقدم ، وما الدليل عليه ؟ ! فإن قيل : الدليل عليه أن الإبصار لما كان بجسم ، فالإبصار لا يتعلق بالإبصار فالرؤية لا ترى ، والسمع لا يسمع ، وكذا سائر الحواس ، فإن كان العقل أيضا لا يدرك إلا بجسم ، فلا يدرك نفسه ، والعقل كما يعقل غيره ، يعقل نفسه ، فإن الواحد منا ، كما يعقل غيره ، يعقل نفسه ، ويعقل أنه عقل غيره ، وأنه عقل نفسه .