أبو حامد الغزالي

250

تهافت الفلاسفة

قلنا : ما ذكرتموه فاسد من وجهين : أحدهما : أن الإبصار عندنا ، يجوز أن يتعلق بنفسه ، فيكون إبصارا لغيره ولنفسه ، كما يكون العلم الواحد ، علما بغيره ، وعلما بنفسه ، ولكن العادة جارية بخلاف ذلك ، وخرق العادات عندنا جائز . والثاني : وهو أقوى ، أنا نسلم هذا في الحواس ، ولكن لم قلتم : إذا امتنع ذلك في بعض الحواس ، يمتنع في بعض ؟ ! « 1 » وأىّ بعد في أن يفترق حكم الحواس في وجه الإدراك ، مع اشتراكها في أنها جسمانية ؟ ! ، كما اختلف البصر واللمس ، في أن اللمس لا يفيد الإدراك ، إلا باتصال الملموس بالآلة اللامسة ، وكذا الذوق ، ويخالفها البصر ، فإنه يشترط فيه الانفصال ، حتى إن الواحد إذا أطبق أجفانه ، لم يرلون الجفون ، لأنها لم تبعد عنه . وهذا الاختلاف ، لا يوجب الاختلاف في الحاجة إلى الجسم ، فلا يبعد أن يكون في الحواس الجسمانية ، ما يسمى عقلا ، ويخالف سائرها ، في أنها تدرك نفسها . دليل سادس قالوا : لو كان العقل يدرك بآلة جسمانية ، كالإبصار ، لما أدرك آلته ، كسائر الحواس ، ولكنه يدرك الدماغ والقلب ، وما يدّعى أنه آلة له ، فدل أنه ليس آلة له ولا محلا ، وإلا لما أدركه . الاعتراض على هذا الكلام ، كالاعتراض على الذي قبله ، فإنا نقول : لا يبعد أن يدرك الإبصار محله ، ولكنه جرى على العادة . أو نقول : لم يستحيل أن تفترق الحواس في هذا المعنى ؟ ! ، وإن اشتركت في الانطباع في الأجسام كما سبق ، ولم قلتم : إن ما هو قائم في جسم ،

--> ( 1 ) يعنى « آخر » .