أبو حامد الغزالي

248

تهافت الفلاسفة

دليل رابع إن كان العلم يحل جزءا من القلب أو الدماغ مثلا ، فالجهل ضده ، فينبغي أن يجوز قيامه بجزء آخر من القلب أو الدماغ ، ويكون الإنسان في حال واحدة عالما وجاهلا بشئ واحد ، فلما استحال ذلك ، تبين أن محل الجهل ، هو محل العلم ، وأن ذلك المحل واحد ، يستحيل اجتماع الضدين فيه ، فإنه لو كان منقسما ، لما استحال قيام الجهل ببعضه ، والعلم ببعضه ، لأن الشئ في محل ، لا يضاده ضده ، في محل آخر ، كما يجتمع البلق « 1 » ، في الفرس الواحد ، والسواد والبياض في العين الواحدة ، ولكن في محلين . ولا يلزم هذا في الحواس ، فإنه لا ضد لإدراكاتها ، ولكنه قد يدرك وقد لا يدرك ، فليس بينهما إلا تقابل الوجود والعدم ، فلا جرم نقول : يدرك ببعض أجزائه كالعين والأذن ، ولا يدرك بسائر بدنه ، وليس فيه تناقض . ولا يغنى عن هذا قولكم : إن العالمية مضادة للجاهلية ، والحكم عام لجميع البدن ، إذ يستحيل أن يكون الحكم في غير محل العلة ، فالعالم هو المحل الذي قام العلم به ، فإن أطلق الاسم على الجملة فبالمجاز ، كما يقال : هو في بغداد ، وإن كان هو في بعضها ، وكما يقال : هو مبصر ، وإن كنا بالضرورة نعلم ، أن حكم الإبصار لا يثبت للرجل واليد ، بل يختص بالعين ، وتضاد الأحكام كتضاد العلل ، فإن الأحكام تقتصر على محل العلل . ولا يخلص من هذا قول القائل : إن المحل المهيأ لقبول العلم والجهل من الإنسان واحد ، فيتضادان عليه ، فإن عندكم أن كل جسم فيه حياة فهو قابل

--> ( 1 ) البلق بفتح الباء واللام ، والبلقة بضم الباء وسكون اللام ، سواد وبياض .