أبو حامد الغزالي

247

تهافت الفلاسفة

مقدّر ، وتنتسب أجزاؤها إلى أجزائه ، وكون شكل الذئب مقدّرا ، لا يكفى ، فإن الشاة أدركت شيئا سوى شكله ، وهو المخالفة والمضادة والعداوة ، والزيادة على الشكل من العداوة ، ليس لها مقدار ، وقد أدركتها بجسم مقدّر . فهذه الصورة مشككة في هذا البرهان ، كما في الأول . فإن قال قائل : هلا دفعتم هذه البراهين ، بأن العلم يحل من الجسم في جوهر متحيز لا يتجزأ ، وهو الجوهر الفرد ! ! ! قلنا : لأن الكلام في الجوهر الفرد ، يتعلق بأمور هندسية ، يطول القول في حلها « 1 » ، ثم ليس فيه ما يدفع الإشكال ، فإنه يلزم أن تكون القدرة والإرادة ، أيضا في ذلك الجزء ، فإن للإنسان فعلا ، ولا يتصور ذلك إلا بقدرة وإرادة ، ولا تتصور الإرادة إلا بعلم ، وقدرة الكتابة في اليد والأصابع ، والعلم بها ليس في اليد ، إذ لا يزول بقطع اليد ، ولا إرادتها في اليد ، فإنه قد يريدها بعد شلل اليد ، وتتعذر لا لعدم الإرادة ، بل لعدم القدرة . دليل ثالث قولهم : إن العلم لو كان في جزء من الجسم ، لكان العالم ذلك الجزء ، دون سائر أجزاء الإنسان ، والإنسان يقال له عالم ، والعالمية صفة له على الجملة ، من غير نسبة إلى محل مخصوص . وهذا هوس ، فإنه يسمى ، مبصرا وسامعا ، وذائقا ، وكذا البهيمة توصف به ، وذلك لا يدل ، على أن إدراك المحسوسات ليس بالجسم ؛ بل هو نوع من التجوّز ، كما يقال : فلان في « بغداد » وإن كان هو في جزء من جملة « بغداد » لا في جميعها ولكن يضاف إلى الجملة .

--> ( 1 ) الغزالي يعترف بصعوبة إثبات الجوهر الفرد . انظر ما في ص 250 .