أبو حامد الغزالي
246
تهافت الفلاسفة
أو لا يكون لواحد من الأجزاء نسبة إليه . وباطل أن يقال : لا نسبة لواحد من الأجزاء ، فإنه إذا لم يكن للآحاد نسبة ، لم يكن للمجموع نسبة ، فإن المجتمع من المباينات ، مباين . وباطل أن يقال : النسبة للبعض ، فإن الذي لا نسبة له ، ليس هو من معناه في شئ ، وليس كلامنا فيه . وباطل أن يقال : لكل جزء مفروض نسبة إلى الذات « 1 » ، لأنه إن كانت النسبة إلى ذات العلم بأسره ، فمعلوم كل واحد من الأجزاء ليس هو جزءا من المعلوم ، بل هو المعلوم كما هو ، فيكون معقولا مرات لا نهاية لها بالفعل « 2 » ، وإن كان كل جزء له نسبة أخرى ، غير النسبة التي للجزء الآخر إلى ذات العلم ، فذات العلم إذن منقسمة في المعنى ، وقد بينا أن العلم بالمعلوم الواحد من كل وجه ، لا ينقسم في المعنى ، وإن كانت نسبة كل واحد « 3 » ، إلى شئ من ذات العلم ، غير ما إليه نسبة الآخر ، فانقسام ذات العلم بهذه الطريقة أظهر ، وهو محال . ومن هذا يتبين أن المحسوسات المنطبعة في الحواس الخمس ، لا تكون إلا أمثلة ، لصور جزئية منقسمة ، فإن الإدراك معناه حصول مثال المدرك ، في نفس المدرك ، ويكون لكل جزء من مثال المحسوس ، نسبة إلى جزء من الآلة الجسمانية . والاعتراض ، على هذا ما سبق ، فإن تبديل لفظ الانطباع بلفظ النسبة ، لا يدرأ الشبهة ، فيما ينطبع في القوة الوهمية للشاة ، من عداوة الذئب ، كما ذكروه ، فإنه إدراك لا محالة ، وله نسبة إليه ، ويلزم في تلك النسبة ما ذكرتموه ، فإن العداوة ليست أمرا مقدرا ، له كمية مقدارية ، حتى ينطبع مثالها في جسم
--> ( 1 ) يعنى لذات العلم . ( 2 ) هذا لا يلزم إلا على رأى من يرى أن الجسم مؤلف من أجزاء لا نهاية لها بالفعل مثل « النظام » على ما أثبت أنه قائل بذلك في مقال لنا نشر بمجلة الأزهر ، المجلد الثامن عشر . عدد ربيع الأول سنة 1366 ه ، وأما جمهرة المتكلمين فلا يقولون بذلك فلا يرد عليهم هذا الإلزام . ( 3 ) يعنى من الأجزاء .