أبو حامد الغزالي

245

تهافت الفلاسفة

ثم نقول : هذه المناقضة ، تبين أنهم غفلوا عن موضع تلبيس في القياس ، ولعل موضع الالتباس قولهم : إن العلم منطبع في الجسم ، انطباع اللون في المتلوّن ، وينقسم اللون بانقسام المتلون ، فينقسم العلم بانقسام محله ، والخلل في لفظ الانطباع ، إذ يمكن ألا تكون نسبة العلم إلى محله ، كنسبة اللون إلى المتلون ، حتى يقال : إنه منبسط عليه ومنطبع فيه ومنتشر في جوانبه ، فينقسم بانقسامه ، فلعل نسبة العلم إلى محله ، على وجه آخر ، وذلك الوجه لا يجوز فيه الانقسام ، عند انقسام المحل ، بل نسبته إليه ، كنسبة إدراك العداوة إلى الجسم ؛ ووجوه نسبة الأوصاف إلى محالها ، ليست محصورة في فن واحد ، ولا هي معلومة التفاصيل لنا ، علما نثق به ، فالحكم عليه دون الإحاطة ، بتفصيل النسب حكم غير موثوق به . وعلى الجملة لا ينكر أن ما ذكروه ، مما يقوى « 1 » الظن ، ويغلبه ، وإنما ينكر كونه معلوما يقينا ، علما لا يجوز الغلط فيه ، ولا يتطرق إليه الشك ، وهذا القدر مشكك فيه . دليل ثان قالوا : إن كان العلم بالمعلوم الواحد العقلي - وهو المعلوم المجرد عن المواد - منطبعا في المادة ، انطباع الأعراض في الجواهر الجسمانية ، لزم انقسامه بالضرورة بانقسام الجسم كما سبق ، وإن لم يكن منطبعا فيها ، ولا منبسطا عليها . وإن استكره لفظ الانطباع ، فلنعدل إلى عبارة أخرى ، ونقول : هل للعلم نسبة إلى العالم به ، أم لا ؟ ! ، ومحال قطع النسبة ، لأنه إن قطعت النسبة عنه ؛ فكونه عالما به ، لم صار أولى به ، من كون غيره عالما به ؟ ! وإن كان له نسبة ، فلا يخلو من ثلاثة أقسام : - إما أن تكون النسبة لكل جزء من أجزاء المحل . أو تكون لبعض أجزاء المحل دون بعض .

--> ( 1 ) كذا في الأصول ، وفيه ركة .