أبو حامد الغزالي

241

تهافت الفلاسفة

إلى جهة الموضع الذي فيه القوة ، أو ترخيها وتمدها طولا ، فتصير الأوتار والرباطات ، إلى خلاف الجهة . فهذه قوى النفس الحيوانية ، على سبيل الإجمال ، وترك التفصيل . * * * فأما النفس العاقلة الإنسانية ، المسماة عندهم بالناطقة والمراد بالناطقة ، العاقلة ، لأن النطق أخص ثمرات العقل في الظاهر ، فنسبت إليه . فلها قوتان : قوة عالمة ، وقوة عاملة ، وقد تسمى كل واحدة عقلا ، ولكن باشتراك الاسم . فالعاملة : قوة هي مبدأ محرك لبدن الإنسان ، إلى الصناعات المرتبة الإنسانية المستنبط ترتيبها ، بالرؤية الخاصة بالإنسان . وأما العالمة : فهي التي تسمى النظرية ، وهي قوة من شأنها ، أن تدرك حقائق المعقولات ، المجردة عن المادة والمكان والجهة ، وهي القضايا الكلية ، التي يسميها المتكلمون « أحوالا » مرة ، و « وجوها » أخرى ، ويسميها الفلاسفة « الكليات المجردة » . فإذن للنفس قوتان ، بالقياس ، إلى جنبتين ؛ القوة النظرية بالقياس إلى جنبة الملائكة ، إذ بها تأخذ من الملائكة ، العلوم الحقيقية ، وينبغي أن تكون هذه القوة دائمة القبول « 1 » ، من جهة فوق . والقوة العملية لها بالنسبة إلى أسفل ، وهي جهة البدن وتدبيره ، وإصلاح الأخلاق ، وهذه القوة ينبغي أن تتسلط « 2 » ، على سائر القوى البدنية ، وأن تكون سائر القوى ، متأدبة بتأديبها ، مقهورة دونها ، حتى لا تنفعل ولا تتأثر هي عنها ، بل تنفعل تلك القوى عنها ، لئلا يحدث في النفس من الصفات البدنية ،

--> ( 1 ) بمعنى أنها دائما « منفعلة » . ( 2 ) وهي إذا تسلطت كانت فاعلة ، وإذا خضعت كانت منفعلة ، فهي بين أن تكون فاعلة ، ومنفعلة ، بخلاف القوة النظرية فإنها لا تكون - عندهم - إلا منفعلة .