أبو حامد الغزالي

238

تهافت الفلاسفة

مسألة في تعجيزهم عن إقامة البرهان العقلي على أن النفس الإنسانية جوهر روحاني قائم بنفسه لا يتحيز ، وليس بجسم ، ولا منطبع في جسم ، ولا هو متصل بالبدن ولا هو منفصل عنه ، كما أن اللّه ليس خارج العالم ، ولا داخل العالم وكذا الملائكة عندهم * * * والخوض في هذا يستدعى شرح مذهبهم ، في القوى الحيوانية ، والإنسانية . والقوى الحيوانية : تنقسم عندهم إلى قسمين ، محركة ومدركة . والمدركة قسمان : ظاهرة ، وباطنة . والظاهرة هي الحواس الخمس ، وهي معان منطبعة في الأجسام ، أعنى هذه القوى . وأما الباطنة ، فثلاث . إحداها : القوة الخيالية ، في مقدم الدماغ ، وراء القوة المبصرة ، وفيها تبقى صور الأشياء المرئية ، بعد تغميض العين ، بل ينطبع فيها ، ما تورده الحواس الخمس ، فيجتمع فيها ، وتسمى « الحس المشترك » لذلك ، ولولاه لكان من رأى العسل الأبيض ، ولم يدرك حلاوته إلا بالذوق ، إذا « 1 » رآه ثانية ، لا يدرك حلاوته ما لم يذق كالمرة الأولى ، ولكن فيه معنى يحكم ، بأن هذا الأبيض هو

--> ( 1 ) في الأصل « فإذا » وليس بصحيح .