أبو حامد الغزالي
239
تهافت الفلاسفة
الحلو ، فلا بد أن يكون عنده حاكم ، قد اجتمع عنده الأمران ، أعنى اللون والحلاوة ، حتى قضى عند وجود أحدهما بوجود الآخر . الثانية : القوة الوهمية ، وهي التي تدرك المعاني ، وكأن القوة الأولى تدرك الصور ، والمراد بالصور ما لا بد لوجوده من مادة - أي جسم - ، والمراد بالمعاني ما لا يستدعى وجوده جسما ، ولكن قد يعرض له أن يكون في جسم ، كالعداوة والموافقة ، فإن الشاة تدرك من الذئب لونه ، وشكله ، وهيأته ، وذلك لا يكون إلا في جسم ، وتدرك أيضا كونه مخالفا لها ، وتدرك السخلة « 1 » شكل الأم ولونها ، ثم تدرك موافقته وملاءمته ، ولذلك تهرب من الذئب وتعدو خلف الأم ، والمخالفة والموافقة ليس من ضرورتهما ، أن تكونا في الأجسام ، لا كاللون والشكل ، ولكن قد يعرض لهما ، أن يكونا في الأجسام أيضا ، فكانت هذه القوة مباينة للقوة الثانية « 2 » ، وهذا محله التجويف الأخير من الدماغ . أما الثالثة : فهي القوة التي تسمى في الحيوانات « متخيلة » وفي الإنسان « مفكرة » ، وشأنها أن تركب الصور المحسوسة ، بعضها مع بعض ، وتركب المعاني على الصور ، وهي في التجويف الأوسط ، بين حافظ الصور وحافظ المعاني ، ولذلك يقدر الإنسان ، على أن يتخيل فرسا يطير ، وشخصا رأسه رأس إنسان ، وبدنه بدن فرس ، إلى غير ذلك من التركيبات ، وإن لم يشاهد مثل ذلك ، والأولى أن تلحق هذه القوة ، بالقوى المحركة كما سيأتي ، لا بالقوى المدركة . وإنما عرفت مواضع هذه القوى ، بصناعة الطب ، فإن الآفة إذا نزلت بهذه التجويفات ، اختلت هذه الأمور . ثم زعموا : أن القوة التي تنطبع فيها صور المحسوسات ، بالحواس الخمسة ، تحفظ تلك الصور ، حتى تبقى بعد القبول ، والشئ يحفظ الشئ لا بالقوة التي بها يقبل ، فإن الماء يقبل ولا يحفظ ، والشمع يقبل برطوبته ، ويحفظ بيبوسته ،
--> ( 1 ) هي ولد الغنم من الضأن والمعز ساعة وضعه ، ذكرا كان أو أنثى ، وجمعه سخل بوزن فلس . ( 2 ) يعنى « الخيالية » .