أبو حامد الغزالي

236

تهافت الفلاسفة

وكذلك نفهم من الإرادة ، طلب معلوم ، فأن فرض طللب ولا علم ، لم يكن إرادة فكان فيه نفى ما فهمناه « 1 » ، والجماد يستحيل أن يخلق فيه العلم ، لأنا نفهم من الجماد ، ما لا يدرك ، فإن خلق فيه إدراك فتسميته جمادا ، بالمعنى الذي فهمناه ، محال ، وإن يدرك فتسميته الحادث علما ، ولا يدرك به محله شيئا محال ، فهذا وجه استحالته . وأما قلب الأجناس ، فقد قال بعض المتكلمين : إنه مقدور للّه تعالى . فنقول : مصير الشئ شيئا آخر ، غير معقول ، لأن السواد إذا انقلب كدرة ، مثلا ، فالسواد باق أم لا ؟ ؛ ، فإن كان معدوما ، فلم ينقلب ، بل عدم ذاك ، ووجد غيره ، وإن كان موجودا ، مع الكدرة ، فلم ينقلب ، ولكن انضاف إليه غيره ، وإن بقي السواد ، والكدرة معدومة ، فلم ينقلب ، بل بقي على ما هو عليه . وإذا قلنا : انقلب الدم منيا ، أردنا به أن تلك المادة بعينها ، خلعت صورة ، ولبست صورة أخرى ، فرجع الحاصل ، إلى أن صورة عدمت ، وصورة حدثت ، وثم مادة قائمة ، تعاقبت عليها ، الصورتان . وإذا قلنا : انقلب الماء هواء ، بالتسخين ، أردنا به أن المادة القابلة ، لصورة المائية ، خلعت هذه الصورة ، وقبلت صورة أخرى ، فالمادة مشتركة ، والصورة متغيرة . وكذلك : إذا قلنا : انقلبت العصى ثعبانا ، والتراب حيوانا . وليس بين العرض والجوهر مادة مشتركة « 2 » ولا بين السواد والكدرة ، ولا بين سائر الأجناس مادة مشتركة ، فكان هذا محالا من هذا الوجه .

--> ( 1 ) فيؤول إلى نفى الشئ ، مع إثباته ، كما آل كون الشخص الواحد في مكانين ، وكما آل الجمع بين السواد والبياض ، فإن كل ذلك راجع - كما أوضحه - إلى قانون التناقض ، ومن هنا صح ما يروى عن أرسطو من أن المحال هو الجمع بين النقيضين ، فكل ما لا يمكن إرجاعه إلى قانون التناقض فهو غير محال . ( 2 ) حتى يصح قلب الجوهر عرضا أو العكس . كما صح في الدم والمنى ؛ والماء والهواء ؛ والعصى والثعبان ؛ والتراب والحيوان .