أبو حامد الغزالي
235
تهافت الفلاسفة
يستدعى وجود أحدهما وجود الآخر ؛ وقولوا : إن اللّه تعالى يقدر على خلق إرادة من غير علم بالمراد ، وخلق علم من غير حياة ، ويقدر على أن يحرك يد ميت ، ويقعده ، ويكتب بيده مجلدات ، ويتعاطى صناعات ، وهو مفتوح العين محدق بصره نحوه ، ولكنه ، لا يرى ولا حياة فيه ، ولا قدرة له عليه ، وإنما هذه الأفعال المنظومة ، يخلقها اللّه تعالى ، مع تحريك يده ، والحركة من جهة اللّه تعالى . وبتجويز هذا ، يبطل الفرق بين الحركة الاختيارية « 1 » ، وبين الرعدة « 2 » فلا يدل الفعل المحكم ، عل العلم ، ولا على قدرة الفاعل . وينبغي أن يقدر على قلب الأجناس ، فيقلب الجوهر عرضا ، ويقلب العلم قدرة ، والسواد بياضا ، والصوت رائحة ، كما اقتدر على قلب الجماد حيوانا والحجر ذهبا ، ويلزم عليه أيضا من المحالات ، ما لا حصر له . * * * والجواب ، أن المحال غير مقدور عليه ، والمحال إثبات الشئ مع نفيه ، أو إثبات الأخص مع نفى الأعم ، أو إثبات الاثنين مع نفى الواحد ، وما لا يرجع إلى هذا فليس بمحال ، وما ليس بمحال ، فهو مقدور . أما الجمع بين السواد والبياض ، فمحال ، لأنا نفهم من إثبات صورة السواد في المحل ، نفى ماهية البياض ووجود السواد ، فإذا صار نفى البياض مفهوما ، من إثبات السواد ، كان إثبات البياض مع نفيه محالا . وإنما لا يجوز كون الشخص الواحد في مكانين ، لأنا نفهم من كونه في البيت ، عدم كونه في غير البيت ، فلا يمكن تقديره في غير البيت ، مع كونه في البيت ، المفهم لنفيه عن غير البيت .
--> ( 1 ) في نسخة « الإرادية » . ( 2 ) في نسخة « الرعدية » نسبة « للرعد » .