أبو حامد الغزالي
234
تهافت الفلاسفة
على كل محل إلا ما تعين قبوله له ، لكونه مستعدا في نفسه ، والاستعدادات مختلفة ، ومبادئها عندهم امتزاجات الكواكب ، واختلاف نسب الأجرام العلوية في حركاتها . فقد اتضح من هذا ، أن مبادئ الاستعدادات ، فيها غرائب وعجائب ، حتى توصل أرباب الطلسمات ، من علم خواص الجواهر المعدنية وعلم النجوم ، إلى مزج القوى السماوية ، بالخواص المعدنية ، فاتخذوا أشكالا من هذه الأرضية ، وطلبوا لها طالعا مخصوصا من الطوالع ، وأحدثوا بها أمورا غريبة في العالم ، فربما دفعوا الحية والعقرب ، عن بلد ، والبق عن بلد ، إلى غير ذلك من أمور ، تعرف من علم الطلسمات . فإذا خرجت عن الضبط مبادئ الاستعدادات ، ولم نقف على كنهها ، ولم يكن لنا سبيل إلى حصرها ، فمن أين نعلم استحالة حصول الاستعداد ، في بعض الأجسام ، للاستحالة في الأطوار ، في أقرب زمان ، حتى يستعد لقبول صورة ، ما كان يستعد لها من قبل ، وينتهض ، ذلك معجزة . ما إنكار هذا إلا لضيق الحوصلة ، والأنس « 1 » بالموجودات العالية ، والذهول عن أسرار اللّه سبحانه ، في الخلقة والفطرة . ومن استقرأ عجائب العلوم ، لم يستبعد من قدرة اللّه تعالى ، ما يحكى من معجزات الأنبياء ، عليهم السلام ، بحال من الأحوال . * * * فإن قيل : فنحن نساعدكم ، على أن كل ممكن مقدور للّه تعالى ، وأنتم تساعدون على أن كل محال ، فليس بمقدور ، ومن الأشياء ما تعرف استحالته ، ومنها ما يعرف إمكانه ، ومنها ما يقف العقل عنده ، فلا يقضى فيه باستحالة ولا إمكان . فالآن ما حد المحال عندكم ، فإن رجع إلى الجمع بين النفي والإثبات ، في شئ واحد ، فقولوا : إن كل شيئين ليس هذا ذاك ، ولا ذاك هذا ، فلا
--> ( 1 ) أي وضيق الأنس .