أبو حامد الغزالي
233
تهافت الفلاسفة
فإن قيل : وهذا يصدر من نفس النبي ؟ ! ، أو من مبدأ آخر من المبادئ عند اقتراح النبي عليه السلام ؟ ؛ ، قلنا : وما سلمتموه من جواز نزول الأمطار ، والصواعق ، وتزلزل الأرض ، بقوة نفس النبي ، يحصل منه أو من مبدأ آخر ؟ ؛ ، فقولنا في هذا كقولكم في ذاك ، والأولى بنا وبكم إضافة ذلك ، إلى اللّه تعالى ، إما بغير واسطة ، أو بواسطة الملائكة ، ولكن وقت استحقاق حصولها ، انصراف همة النبي عليه السلام ، إليها ، وتعين نظام الخير في ظهورها لاستمرار نظام الشرع ، فيكون ذلك مرجحا جهة الوجود ، ويكون الشئ في نفسه ممكنا ، والمبدأ به سمحا جوادا ، ولكن لا يفيض منه إلا إذا ترجحت الحاجة إلى وجوده ، وصار الخير متعينا فيه ، ولا يصير الخير متعينا فيه ، إلا إذا أحتاج نبي ، في إثبات نبوته إليه ، لإفاضة الخير . فهذا كله لائق بمساق كلامهم ، ولازم لهم ، مهما فتحوا باب الاختصاص للنبي عليه السلام . بخاصة تخالف عادة الناس ، فإن مقادير ذلك الاختصاص لا ينضبط في العقل إمكانه ، فلم يجب معه التكذيب ، لما تواتر نقله وورد الشرع بتصديقه . وعلى الجملة ، لما كان لا يقبل صورة الحيوان ، إلا النطفة ، وإنما تفيض القوى الحيوانية عليها من الملائكة ، التي هي مبادئ الموجودات عندهم ، ولم يتخلق قط من نطفة الإنسان إلا إنسان ، ومن نطفة الفرس إلا فرس ، من حيث إن حصوله من الفرس ، أوجب ترجيحا ، لمناسبة صورة الفرس ، على سائر الصور ، فلم يقبل إلا الصورة المترجحة بهذا الطريق ، ولذلك لم ينبت قط من الشعير حنطة ولا من بذر الكمثرى ، تفاح ، ثم رأينا أجناسا من الحيوانات ، تتولد من التراب ، ولا تتوالد قط كالديدان ، ومنها ما يتولد ويتوالد جميعا ، كالفأرة والحية ، والعقرب ، وكان تولدها ، من التراب ، ويختلف استعدادها لقبول الصور ، بأمور غابت عنا ، ولم يكن في القوة البشرية الاطلاع عليها ، إذ ليس تفيض الصور عندهم ، من الملائكة بالتشهى ولا جزافا ، بل لا يفيض