أبو حامد الغزالي

232

تهافت الفلاسفة

لنا العلم بأنه ليس يفعله ، في ذلك الوقت ، فليس في هذا الكلام إلا تشنيع محض . * * * المسلك الثاني ، وفيه الخلاص من هذه التشنيعات ، وهو أنا نسلم ، أن النار خلقت خلقة ، إذا لاقاها ، قطنتان متماثلتان ، أحرقتهما ، ولم تفرق بينهما ، إذا تماثلتا من كل وجه ، ولكن مع هذا نجوز ، أن يلقى نبي في النار ، فلا يحترق إما بتغيير صفة النار ، أو بتغيير صفة النبي عليه السلام ، فيحدث من اللّه تعالى أو من الملائكة ، صفة في النار ، تقصر سخونتها على جسمها ، بحيث لا تتعداه ، فتبقى معها سخونتها ، وتكون على صورة النار وحقيقتها ، ولكن لا تتعدى سخونتها وأثرها . أو يحدث في بدن النبي صفة ، لا تخرجه عن كونه لحما وعظما ، فيدفع أثر النار . فإنا نرى من يطلى نفسه بالطلق « 1 » ، ثم يقعد في تنور موقد ، ولا يتأثر بالنار ، والذي لم يشاهد ذلك ينكره . فأنكار الخصم اشتمال القدرة ، على إثبات صفة من الصفات ، في النار أو في البدن تمنع من الاحتراق ، كإنكار من لم يشاهد الطلق « 2 » وأثره ، وفي مقدورات اللّه تعالى غرائب وعجائب ، ونحن لم نشاهد جميعها ، فلم ينبغي أن ننكر إمكانها ، ونحكم باستحالتها ؟ ! . وكذلك إحياء الميت ، وقلب العصى حية ، يمكن بهذه الطريق ، وهو أن المادة قابلة لكل شئ ، فالتراب وسائر العناصر ، يستحيل نباتا ، ثم النبات يستحيل ، عند أكل الحيوان له دما ، ثم الدم يستحيل منيا ، ثم المنى ينصب في الرحم ، فيتخلق حيوانا ، وهذا بحكم العادة واقع في زمان متطاول ، فلم يحيل الخصم أن يكون في مقدورات اللّه تعالى ، أن يدير المادة في هذه الأطوار ، في وقت أقرب مما عهد فيه ؟ ! وإذا جاز في وقت أقرب ، فلا ضبط للأقل ، فيستعجل هذه القوى في عملها ، ويحصل به ما هو معجزة للنبي عليه السلام .

--> ( 1 ) كذا في الأصل ، ولعلها « الطلاء » وهو القطران . ( 2 ) كذا في الأصل ، ولعلها « الطلاء » وهو القطران .