أبو حامد الغزالي

231

تهافت الفلاسفة

للإنسان علم بعدم كونه ، لزم هذه المحالات ؛ ونحن لا نشك في هذه الصور التي أوردتموها ، فإن اللّه تعالى خلق لنا علما ، بأن هذه الممكنات ، لم يفعلها ، ولم ندّع أن هذه الأمور « 1 » واجبة « 2 » ، بل هي ممكنة ، يجوز أن تقع ، ويجوز أن لا تقع ، واستمرار العادة بها ، مرة بعد أخرى ، يرسخ في أذهاننا ، جريانها على وفق العادة الماضية ترسيخا لا تنفك عنه . بل يجوز أن يعلم نبي من الأنبياء - عليهم السلام - بالطرق التي ذكروها ، أن فلانا لا يقدم من سفره غدا ، وقدومه ممكن ، ولكن يعلم عدم وقوع ذلك الممكن ، بل كما ينظر إلى العامي ، فيعلم أنه ليس يعلم الغيب ، في أمر من الأمور ، ولا يدرك المعقولات ، من غير تعليم ، ومع ذلك فلا ينكر ، أن تتقوى نفسه وحدسه ، بحيث يدرك ما يدركه الأنبياء - صلوات اللّه وسلامه عليهم - على ما اعترفوا بإمكانه ، ولكن يعلمون أن ذلك الممكن لم يقع ، فإن « 3 » خرق اللّه العادة ، بإيقاعها « 4 » في زمان ، تخرق العادات فيها ، انسلت هذه العلوم عن القلوب ، ولم يخلقها . فلا مانع إذن من أن يكون الشئ ممكنا ، في مقدورات اللّه تعالى ، ويكون قد جرى في سابق علمه ، أنه لا يفعله مع إمكانه ، في بعض الأوقات ، ويخلق

--> ( 1 ) يعنى هذه الفروض المذكورة آنفا ، من قلب الكتاب فرسا . . إلخ . ( 2 ) أي واجب ألا تكون . ( 3 ) هذه العبارة إلى آخر الفقرة ، ركيكة ، ولكن معناها واضح ، فهو يريد أن يقول : إذا خرق اللّه العادة ، وأوقع أمثال هذه الفروض ، نزع من القلوب العلم بأنها غير واقعة ، وأدخل محله علما بأنها واقعة ، ولكن هذا لا يحصل إلا في مناسبات وظروف خاصة كتأييد نبي - رحمة من اللّه بعباده - حتى لا تتبلبل الأفكار وتضطرب العقول . ( 4 ) أي بإيقاع هذه الفروض .