أبو حامد الغزالي

230

تهافت الفلاسفة

ولو ترك غلاما في بيته ، فليجوّز انقلابه كلبا ، أو ترك الرماد ، فليجوّز انقلابه مسكا ، وانقلاب الحجر ذهبا ، والذهب حجرا ، وإذا سئل عن شئ من هذا ، فينبغي أن يقول : لا أدرى ما في البيت الآن ، وإنما القدر الذي أعلمه أنى تركت في البيت كتابا ، ولعله الآن فرس ، قد لطّخ بيت الكتب ببوله وروثه ، وإني تركت في البيت جرّة من الماء ، ولعلّها الآن انقلبت شجرة تفاح ، فإن اللّه تعالى ، قادر على كل شئ ، وليس من ضرورة الفرس ، أن يخلق من النطفة ، ولا من ضرورة الشجرة ، أن تخلق من البذر ، بل ليس من ضرورة الشجرة ، أن تخلق من شئ ، فلعله خلق أشياء لم يكن لها وجود من قبل ، بل إذا نظر إلى إنسان لم يره ، إلا الآن ، وقيل له : هل هذا مولود ؟ ؛ ، فليتردد ، وليقل يحتمل أن يكون بعض الفواكه في السوق ، قد انقلب إنسانا ، وهو ذلك الإنسان ، فإن اللّه تعالى قادر على كل شئ ممكن ، فلا بد من التردد فيه ، وهذا فن « 1 » يتسع المجال في تصويره ، وهذا القدر كاف فيه . والجواب : أن نقول : إن ثبت أن الممكن « 2 » كونه ، لا يجوز أن يخلق

--> ( 1 ) هذا هو ما عبر عنه « هيوم » فيما نقلناه عنه سابقا ، بإلغاء العلم الطبيعي . ( 2 ) يعنى لو كان الشئ الممكن الوجود - كانقلاب الكتاب فرسا - إذا كان غائبا عنا ، نظل في حيرة من أمره ، ولا ندري هل وقع ، أم لم يقع ؟ ؛ ، لزمت هذه المحالات . أما إذا كان في الإمكان ، أن يحصل لنا علم ، بأن هذا الانقلاب - رغم إمكانه - غير واقع ، وغير حاصلى ، لم تلزم هذة المحالات . وفي الإمكان أن يحصل لنا هذا العلم بأحد طريقين : ( ا ) أن يخلق اللّه فينا ابتداء ، علما بعدم حصول هذا الانقلاب ، فنجزم بأنه - رغم إمكانه - غير حاصل ، بمقتضى هذا العلم الذي خلقه اللّه فينا . ( ب ) أن جريان العادة ، بعدم حصول هذا الانقلاب ، يرسخ في أذهاننا - رغم إمكانه - العلم بعدم وقوعه . وهذا الحل في نظر الغزالي ، كاف لأن يحصل لنا علما بالعالم الطبيعي ، على هذا النحو ، رغم إمكان هذه الفروض عقلا . وتابع الغزالي في هذا النهج ، المتكلمون من بعده ، ولم يروا في هذه الفروض العقلية ، ما يفوت عليهم الوثوق ، الذي يجب توافره ، في الإدراكات حتى تسمو إلى مصاف المعارف ، اليقينية . فيقول « عضد الدين الإيجي » و « السيد الشريف الجرجاني » في كتابهما « المواقف وشرحه » : « العلم صفة توجب لمحلها ، تمييزا بين المعاني ، لا يحتمل النقيض ، وأورد العلوم العادية فإنها نحتمل النقيض . والجواب أن احتمال النقيض نوعان : ( ا ) نوع يرجع إلى الإمكان الذاتي ، الثابت للممنكنات ، وهذا لا يقدح في العلوم . ( ب ) ونوع يرجع إلى أن متعلق التمييز ، يكون محتملا ، لأن يحكم فيه المميز بنقيضه في الحال كما في الظن ، أو في المآل ، كما في الجهل المركب والتقليد ، ومنشؤه ضعف هذا التمييز ، إما لعدم الجزم ، أو لعدم المطابقة ؛ أو لعدم استناده إلى موجب ، وهذا هو المنفى في حد العلم » . ولكن هل قنع الفلاسفة المحدثون ، الذين وافقوا المتكلمين ، في إلغاء نظرية السببية ؛ بهذا الحل الذي قنع به المتكلمون ؟ !