أبو حامد الغزالي
229
تهافت الفلاسفة
فكذا مبادئ الوجود فياضة ، بما هو صادر منها ، لا منع عندها ، ولا بخل وإنما التقصير من القوابل . وإذا كان كذلك ، فمهما فرضنا النار بصفتها ، وفرضنا قطنتين متماثلتين ، لاقتا النار على وتيرة واحدة ، فكيف يتصور أن تحترق إحداهما دون الأخرى ، وليس ثمّ اختيار . ومن هذا المعنى أنكروا وقوع إبراهيم - صلوات اللّه عليه وسلامه - في النار ، مع عدم الاحتراق ، وبقاء النار نارا ، وزعموا : أن ذلك لا يمكن ، إلا بسلب الحرارة من النار ، وذلك يخرجها عن كونها نارا ؛ أو بقلب « 1 » ذات إبراهيم - عليه السلام - ورده حجرا ، أو شيئا لا تؤثر فيه النار ، ولا هذا ممكن ولا ذاك ممكن . والجواب له مسلكان : الأول ، أن نقول : لا نسلم أن المبادئ ، ليست تفعل بالاختيار ، وأن اللّه تعالى لا يفعل بالإرادة ، وقد فرغنا من إبطال دعواهم ، في ذلك ، في مسألة حدوث العالم ، وإذا ثبت أن الفاعل يخلق الاحتراق بإرادته ، عند ملاقاة القطنة النار ، أمكن في العقل ، ألا يخلق الاحتراق ، مع وجود الملاقاة . فإن قيل : فهذا يجر إلى ارتكاب محالات شنيعة ، فإنه إذا أنكر لزوم المسببات ، عن أسبابها ، وأضيفت إلى إرادة مخترعها ، ولم يكن للإرادة أيضا ، منهج مخصوص معيّن ، بل أمكن تفنّنه ، وتنوّعه ، فليجوّز كلّ واحد منا ، أن يكون بين يديه ، سباع ضارية ، ونيران مشتعلة ، وجبال راسية ، وأعداء مستعدة بالأسلحة لقتله ، وهو لا يراها ، لأن اللّه تعالى ، ليس يخلق الرؤية له . ومن وضع كتابا في بيته ، فليجوّز أن يكون قد انقلب عند رجوعه إلى بيته ، غلاما أمرد ، عاقلا متصرفا ، أو انقلب حيوانا .
--> ( 1 ) مقابل لقوله « بسلب الحرارة » .