أبو حامد الغزالي

228

تهافت الفلاسفة

مرتفعا ، والشخص المقابل متلوّنا ، فيلزم لا محالة أن يبصر ، ولا يعقل أنه لا يبصر ؛ حتى إذا غربت الشمس ، وأظلم الهواء ، علم أن نور الشمس هو السبب ، في انطباع الألوان في بصره ؛ فمن أين يأمن الخصم أن يكون في مبادئ الوجود ، علل وأسباب تفيض منها هذه الحوادث ، عند حصول ملاقاة ، بينها ؟ ! ، إلا أنها ثابتة ليست تنعدم ، ولا هي أجسام متحركة فتغيب ؛ ولو انعدمت أو غابت لأدركنا التفرقة ، وفهمنا أن ثمّ سببا وراء ما شاهدناه ، وهذا لا مخرج منه على قياس أصلهم . ولهذا اتفق محققوهم ، على أن هذه الأعراض والحوادث ، التي تحصل عند وقوع الملاقاة بين الأجسام . وعلى الجملة عند اختلاف نسبها ، إنما تفيض من عند واهب الصور ، وهو ملك من الملائكة ، حتى قالوا : انطباع صور الألوان في العين يحصل من جهة واهب الصور ، وإنما طلوع الشمس والحدقة السليمة ، والجسم المتلوّن ، معدّات ومهيئات ، لقبول المحل هذه الصور ، وطردوا هذا في كل حادث . وبهذا تبطل دعوى من يدعى ، أن النار هي الفاعلة للإحراق ، والخبز هو الفاعل للشبع ، والدواء هو الفاعل للصحة ، إلى غير ذلك من الأسباب . المقام الثاني مع من يسلم أن هذه الحوادث ، تفيض من مبادئ الحوادث ، ولكن الاستعداد لقبول الصور ، يحصل بهذه الأسباب المشاهدة الحاضرة ؛ إلا أن تلك المبادئ أيضا ، تصدر الأشياء منها ، باللزوم والطبع لا على سبيل التروي والاختيار صدور النور من الشمس ، وإنما افترقت المحالّ في القبول ، لاختلاف استعدادها ، فإن الجسم الصقيل ، يقبل شعاع الشمس ويردّه حتى يستضئ به موضع آخر ، والمدر لا يقبل ، والهواء لا يمنع نفوذ نوره ، والحجر يمنع ، وبعض الأشياء يلين بالشمس ، وبعضها يتصلّب ، وبعضها يبيضّ ، كثوب القصاب ، وبعضها يسودّ ، كوجهه ، والمبدأ واحد ، والآثار مختلفة ، لاختلاف الاستعدادات في المحل .