أبو حامد الغزالي
227
تهافت الفلاسفة
والقوى المدركة والمحركة ، في نطفة الحيوانات ، ليس يتولد عن الطبائع المحصورة في الحرارة والبرودة ، والرطوبة واليبوسة ، ولا أن الأب فاعل أبنه ، بإيداع النطفة في الرحم ، ولا هو فاعل حياته ، وبصره ، وسمعه ، وسائر المعاني التي هي فيه ، ومعلوم أنها موجودة عنده ، ولم يقل أحد ، إنها موجودة به ، بل وجودها من جهة الأول ، إما بغير واسطة ، وإما بواسطة الملائكة ، الموكلين بهذه الأمور الحادثة . وهذا مما يقطع به الفلاسفة القائلون بالصانع ، والكلام معهم . فقد تبين أن الوجود عند الشئ ، لا يدل على أنه موجود به . بل نبين هذا بمثال ، وهو أن الأكمه ، لو كانت في عينيه غشاوة ، ولم يسمع من الناس ، الفرق بين الليل والنهار ، لو انكشفت الغشاوة عن عينيه نهارا وفتح أجفانه ، فرأى الألوان ، ظن أن الإدراك الحاصل في عينيه ، لصور الألوان ؛ فاعله فتح البصر ، وأنه مهما كان بصره سليما ومفتوحا ، والحجاب