أبو حامد الغزالي
226
تهافت الفلاسفة
وللكلام في هذه المسألة ثلاثة مقامات : - المقام الأول : أن يدعى الخصم ، أن فاعل الاحتراق ، هو النار فقط ، وهو فاعل بالطبع لا بالاختيار ، فلا يمكنه الكف عما هو في طبعه ، بعد ملاقاته لمحل قابل له . وهذا مما ننكره ، بل نقول : فاعل الاحتراق ، بخلق السواد في القطن ، والتفرق في أجزائه ، وجعله حراقا « 1 » ، أو رمادا ، هو اللّه تعالى ، إما بوساطة الملائكة ، أو بغير وساطة ، فأما النار وهي جماد ، فلا فعل لها . فما الدليل على أنها الفاعل ؟ ! ، وليس لهم دليل ، إلا مشاهدة حصول الاحتراق عند ملاقاة النار ، والمشاهدة تدل على الحصول عندها ، ولا تدل على الحصول بها « 2 » ، وأنه لا علة له سواها ؛ إذ لا خلاف في أن انسلاك الروح
--> ( 1 ) الحراق بضم الحاء ما تقع فيه النار عند القدح . ( 2 ) ومن الطريف أن هذا الرأي الذي عارض به الغزالي رأى « الفارابي » و « ابن سينا » في « السببية » قد وجد له أنصارا في العصر الحديث ، فرددوه وقال به فلاسفة لهم شأنهم في عالم الفكر ، فأيدوا تلك النظرية التي تركز كل القوى والمؤثرات في العالم بأجمعه ، في شئ واحد هو قدرة اللّه ، وإن أدى ذلك إلى إلغاء العلوم الطبيعية ، وعدم الاعتراف بما يدعى لها من قوانين ، على أنها أمور حتمية ثابتة . قال مؤرخو الفلسفة في العصور الحديثة : « درج » « التجريبيون » منذ « لوك » على تتبع الأفكار العامة ، والمبادئ المسلمة ، وجدوا في تحليلها ومناقشتها ، ليثبتوا : أولا : أنها ليست عامة ذلك العموم الذي كان يظن ، بل هناك من لا يسلم بها . وثانيا : أنها ليست فطرية موروثة بل تتولد في الذهن بعد أن لم تكن . ومن بين هذه المبادئ ، مبدأ السببية ، الذي نردده ، ونكاد نؤمن به جميعا . فنحن نعتقد أن كل ظاهرة ، لا بد لها من علة ، وربما ذهبنا إلى أبعد من هذا ، وهو أن علة ما ، تنتج دائما نفس معلولها ، في الظروف المتحدة . بيد أن بعض الفلاسفة ، لم يسلموا بهذا المبدأ ، وكم من معتقدات تقوم على العرف ، دون أن يكون لها أساس عقلي ثابت ، وواضح أن الاعتقاد ، وإن يكن ضربا من المعرفة ، هو معرفة من طراز خاص ، وكلنا يلاحظ ، أن هناك أشياء ، كنا نعدها عللا ، ثم لم نلبث بعد تحليلها ، أن تبينا أنه ليست فيها أية قوة من قوى الإنتاج ، وهذا هو الذي دفع « مالبرانش » و « بركلى » إلى أن يردا الظواهر كلها ، إلى القوة الوحيدة ، والعلة المطلقة ، وهي الباري جل شأنه . أما « هيوم » فيرى أن وضع المسألة الصحيح ، يقتضى - قبل البحث عن العلة ومقدار تأثيرها - أن نبحث عن العلاقة التي توهمناها ، بين علة ومعلول ، فهل هناك ارتباط ضروري حقيقة على هذه الصورة ؟ ! ، أم الأمر مجرد فكرة ، ذاعت وانتشرت ، فأكسبها الذيوع قوة ، دون أن يكون لها أساس واضح ؟ ! فبدل أن يبحث في العلة وأثرها ، يريد أن يناقش المبدأ ذاته ، ويبين كيف تولد في أذهاننا ؟ ! ! وفي رأيه ، أن هذا المبدأ ليس إلا نتيجة مشاهدات سطحية ، وتعاقب ظاهري وذلك أنا شاهدنا غير مرة ، بعض الظواهر يتبع بعضا ، فظننا أن هناك علاقة ثابتة بين التابع والمتبوع ، وأخذ تداعى المعاني يعمل عمله ، فلا نكاد نرى التابع ، حتى نفكر في المتبوع ، وبالعكس ، كما أخذت المخيلة تصور لنا هذه التبعية ، التي هي مجرد تجاور ، زماني أو مكاني ، بصورة الإنتاج والتأثير ، . . . وإذن ليس ثمت علية ، ولا ارتباط ضروري بين علة ومعلولها ، أو مبدأ سببية - كما نسميه - ، وكل ما هنالك عادة ذهنية ، تكونت على إثر توالى الحوادث وتعاقبها ، فحملتنا على أن ننتظر حادثة بعد أخرى ، ومخيلة أسبغت على الحادثة الأولى ، سرا كامنا ، وقوة خارقة للعادة ، وللمخيلة دخل كبير ، في أغلب مظاهر تفكيرنا ، وخاصة ما اتصل منها ، بالمعتقدات الشعبية ، والآراء العامة . ولا أدل على أن السببية ليست مبدأ عقليا ، من أن طائفة من الحيوانات - فيما يبدو - تسلم بضرب من التعاقب الذي يقتضيه هذا المبدأ . ولكن إلغاء السببية معناه القضاء على العلم ، والقوانين العلمية ، وإغلاق باب التكهن بالمستقبل ، وترتيب المسببات على أسبابها ، وتلك إحدى النتائج الخطيرة التي انتهى إليها ( « هيوم » ، في نقده وتحليله ! ! . » الفلسفة التوجيهية : للدكتور إبراهيم مذكور ، والأستاذ يوسف كرم .