أبو حامد الغزالي
225
تهافت الفلاسفة
مسألة الاقتران بين ما يعتقد في العادة سببا ، وبين ما يعتقد مسببا ، ليس ضروريا عندنا ، بل كل شيئين ، ليس هذا ذاك ، ولا ذاك هذا ، ولا إثبات أحدهما ، متضمنا لإثبات الآخر ، ولا نفيه متضمنا لنفى الآخر ؛ فليس من ضرورة وجود أحدهما ، وجود الآخر ، ولا من ضرورة عدم أحدهما ، عدم الآخر ، مثل الرّى والشرب ، والشبع والأكل ، والاحتراق ولقاء النار ، والنور وطلوع الشمس ، والموت وجز الرقبة ، والشفاء وشرب الدواء ، وإسهال البطن واستعمال المسهل ، وهلمّ جرّا ، إلى كل المشاهدات ، من المقترنات في الطب والنجوم والصناعات والحرف . فإن اقترانها لما سبق من تقدير اللّه سبحانه ، يخلقها على التساوق لا لكونه ضروريا في نفسه ، غير قابل للفوت « 1 » ، بل في المقدور خلق الشبع دون الأكل ، وخلق الموت دون جز الرقبة ، وإدامة الحياة ، مع جز الرقبة ، وهلمّ جرّا إلى جميع المقترنات . وأنكر الفلاسفة إمكانه ، وادعوا استحالته . والنظر في هذه الأمور الخارجة عن الحصر يطول ، فلنعين مثالا واحدا ، وهو الاحتراق في القطن مثلا ، عند ملاقاة النار ، فإنا نجوّز وقوع الملاقاة بينهما دون الاحتراق ، ونجوّز حدوث انقلاب القطن ، رمادا محترقا ، دون ملاقاة النار وهم ينكرون جوازه .
--> ( 1 ) وفي نسخة « للفرق » أي الافتراق .