أبو حامد الغزالي

224

تهافت الفلاسفة

وذلك لأن الأجسام ، والقوى الجسمانية ، خلقت خادمة مسخّرة للنفوس ، ويختلف ذلك ، باختلاف صفاء النفوس وقوتها ، فلا يبعد أن تبلغ ، قوة النفس ، إلى حد تخدمها القوة الطبيعية ، في غير بدنه ، لأن نفسه ليست منطبعة في بدنه ، إلا أن لها نوع نزوع وشوق ، إلى تدبيره ، خلق ذلك في جبلتها ، فإذا جاز أن تطيعها أجسام بدنها ، لم يمتنع ، أن يطيعها غيرها . فتتطلع نفسه ، إلى هبوب ريح ، أو نزول مطر ، أو هجوم صاعقة ، أو تزلزل أرض لتخسف بقوم ؛ وذلك موقوف حصوله ، على حدوث برودة ، أو سخونة ، أو حركة في الهواء ، فيحدث من نفسه تلك السخونة ، والبرودة ، ويتولّد منها هذه الأمور ، من غير حضور سبب طبيعي ظاهر ، ويكون ذلك معجزة ، للنبي - عليه السلام - ولكنه إنما يحصل ذلك ، في هواء مستعد للقبول ، ولا ينتهى إلى أن ينقلب الخشب حيوانا وينفلق القمر ، الذي لا يقبل الانخراق . فهذا مذهبهم في المعجزات ، ونحن لا ننكر شيئا مما ذكروه ، وأن ذلك مما يكون للأنبياء - صلوات اللّه عليهم وسلامه - وإنما ننكر اقتصارهم عليه ، ومنعهم قلب العصى حية ، وإحياء الموتى وغيره ، فلزم الخوض في هذه المسألة ، لإثبات المعجزات ، ولأمر آخر ، وهو نصرة ما أطبق عليه المسلمون ، من أن اللّه تعالى قادر ، على كل شئ ، فلنخض في المقصود .