أبو حامد الغزالي
22
تهافت الفلاسفة
أما الحكم عليه بالنسبة لباقي مسائل الكتاب ، فيحتاج إطلاعا أوسع ، وبحثا أشمل . وقد يعترض هذا الطريق صعوبات ، أهمها أن لخصوم الغزالي من الفلاسفة - الذين يصور الغزالي أراءهم في كتابه التهافت ، للرد عليها - مناهج في التأليف معقدة ، وطرائق ملتوية . خذ مثلا موقف ابن سينا من مسألة البعث الجسماني في الشفاء أوسع كتبه شهرة ، وأبعدها صيتا ! تجده يصرح فيه بالبعث الجسماني ! فلو قنع المرء بما جاء فيه بخصوص هذه المسألة ، وراح يقرنه ، بما يحكيه الغزالي عنه ، لخرج بالنتيجة الحائرة القلقة التي خرجت أنا بها قبل عثورى على المخطوط الصغبر ، الذي كان منزويا في ركن ضيق مظلم من أركان دار الكتب المصرية ، فقبل العثور على هذا المخطوط كان لابد للغزالي أن يعرض للغمز واللمز ، بل إنه لم يزل - حتى بعد ظهور هذا المخطوط - معرضا لذلك ! إذ لم يتح لجمهرة الباحثين قراءته . ثم ما هي الوسيلة لقراءة كتب ابن سينا جميعها ، وهي كثيرة كثرة مفرطة ، ثم - فضلا عن كثرتها - هي مبعثرة في الأقطار والقارات ؟ وليت الأمر واقف عند ابن سينا وحده ، فإن الغزالي يصرح بأنه يرد على ابن سينا والفارابي أيضا ، فمن أين لنا الظفر بمجموع كتب الرجلين ، ودون الوقوف على جميع كتبهما لا يصح لنا القطع بأن الغزالي مدلس ! إذ قد يكون ما ينقله موجودا فيما لم تصل إليه أيدينا من كتب . ولقد بدا لي أن أنشر كتاب « تهافت التهافت » لأبن رشد ، نشرا علميا دقيقا ، فإن ذلك طريق يبدو أقصر من طريق الإحاطة يجميع كتب الفارابي وابن سينا ، فإنه إن مر ابن رشد بالمسألة ولم يتهم الغزالي فيها بتحريف أو تغيير ، أمكن لنا أن نطمئن إلى أمانة الغزالي ودقته في روايته ، إذ أن ابن رشد أعرف بزملائه الفلاسفة منابهم ، فإن أشار إلى تحريف أو تبديل ، تعقبناه لنعرف منشأه وسببه . على أن في نشر كتاب « تهافت التهافت » لابن رشد - نشرا علميا مصححا - إلى جانب كتاب « تهافت الفلاسفة » للغزالي ، فائدة عظيمة أخرى ، تلك أنه يساعد على إحقاق الحق في هذه المسائل التي كانت وما تزال مثار حرب جدلية