أبو حامد الغزالي
23
تهافت الفلاسفة
عنيفة ، بين شيعة ابن سينا ، وشيعة الغزالي ، لهذا فسآخذ نفسي بنشره بعد الفراغ من كتاب الغزالي إن شاء اللّه . * * * 3 - صدى أفكار الغزالي في فلسفة المحدثين . ( ا ) شك ديكارت وشك الغزالي . لقد سجل الغزالي بشكه ظاهرة فكرية قدرها فيه وأكبره من أجلها رجال الفلسفة . لقد حاول الغزالي بهذه الظاهرة أن يؤسس دعائم قوية يقيم عليها بناء المعرفة سليما قويا . كلنا يعرف أن المرء حينما يحاول أن يكتسب معرفة جديدة ، فإنما يستعين على ذلك بمعلوماته القديمة التي يؤمن بها ويرضى عنها ؛ فإذا كانت هذه المعلومات القديمة - التي هي عدته ووسيلته في كسب المعلومات الجديدة ، والتي ، هي في الوقت ذاته ، معيار القبول والرفض عنده - خاطئة أو قلقة مشوشة ، كان البناء عليها بناء على أساس غير سليم ، فيجىء إما فاسدا ، وإما واهيا متداعيا ، لهذا كان الاحتياط في إقامة الأسس أمرا على جانب عظيم من الأهمية ، بل على أعظم جانب من الأهمية . وقد أخذ الغزالي نفسه بالاحتياط اللازم ، فقد حاول - أولا - أن يحدد العلم ليقيس في ضوء تحديده معارفه ؛ فإن كانت علما بمعناه الصحيح استبقاها ، وإلا تخلى عنها ويحث عن سواها . وفي أثناء التعرف على حد العلم وجد أن قيمة الفكرة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالأداة التي عن طريقها تكتسب ، وأن الوثوق بها لا يتم إلا بعد الوثوق بالأداة نفسها ، فتأدى به الأمر إلى إخضاع العقل والحواس للاختبار وقد أوغل الغزالي في بحث صلاحية العقل والحواس لكسب العلوم ، إيغالا انتهى به إلى عدم الثقة فيهما ، وهنا ارتطم الغزالي بشك لم يكن إلى التخلص منه سبيل ، لولا رحمة من اللّه تداركته فأعادت إليه الوثوق بالعقل ، فراح يؤسس معارفه في ضوئه وعلى هداه ، مترسما خطى التحديد الدقيق الذي وضعه للعلم . وبهذا يكون الغزالي :