أبو حامد الغزالي
210
تهافت الفلاسفة
أحدهما : أن طلب الاستكمال بالكون ، في كل أين يمكن أن يكون له ، حماقة ، لا طاعة ، وما هذا إلا كإنسان ، لم يكن له شغل ، وقد كفى المئونة في شهواته ، وحاجاته ، فقام وهو يدور في بلد أو بيت ، ويزعم أنه يتقرب إلى اللّه تعالى ، فإنه يستكمل ، بأن يحصّل لنفسه ، الكون في كل مكان أمكن ، وزعم أن الكون في الأماكن ممكن لي ، ولست أقدر على الجمع بينها بالعدد ، فأستوفيه بالنوع ، فإن فيه استكمالا وتقربا ، فيسفه عقله فيه ، ويحمل على الحماقة ، ويقال : الانتقال من حيز ، إلى حيز ، ومن مكان إلى مكان ، ليس كما لا يعتد به ، أو يتشوف إليه ، ولا فرق بين ما ذكروه ، وبين هذا . والثاني ، هو أنا نقول : ما ذكرتموه من الغرض ، حاصل بالحركة المغربية فلم كانت الحركة الأولى مشرقية ؟ ! ، وهلا كانت حركات الكل إلى جهة واحدة ! ! ، فإن كان في اختلافها غرض ، فهلا اختلفت بالعكس ! ! ، فكانت التي هي مشرقية مغربية ، والتي هي مغربية مشرقية ، فإن كل ما ذكرتموه من حصول الحوادث ، باختلاف الحركات ، من التثليثات والتسديسات وغيرها ، يحصل بعكسه ، وكذا ما ذكروه من استيفاء الأوضاع والإيون ، كيف ! ! ، ومن الممكن لها الحركة إلى الجهة الأخرى ، فما بالها لا تتحرك مرة من جانب ، ومرة من جانب ، استيفاء لما يمكن لها ، إن كان في استيفاء كل ممكن كمال . فدل أن هذه خيالات لا حاصل لها ، وأن أسرار ملكوت السماوات ، لا يطّلع عليها ، بأمثال هذه التخيلات ، وإنما يطلع اللّه عليها ، أنبياءه وأولياءه ، على سبيل الإلهام ، لا على سبيل الاستدلال ، ولذلك عجز الفلاسفة من عند آخرهم ، عن بيان السبب في جهة الحركة ، واختيارها . وقال بعضهم : لما كان استكمالها يحصل بالحركة ، من أي جهة كانت ، وكان انتظام الحوادث الأرضية ، يستدعى اختلاف حركات ، وتعيّن جهات ، كان الداعي لها إلى أصل الحركة ، التقرب إلى اللّه تعالى ، والداعي إلى جهة الحركة ، إفاضة الخير على العالم السفلى .