أبو حامد الغزالي
21
تهافت الفلاسفة
فيه ؛ لأنها قد تربت ، وتساوت في أن يكون بعضها مقوما للحياة ، وبعضها نافعا غير مقوم ، وصار البعث عن ذلك التراب وعن تراب غيره سواء لا فرق فيه ؛ فقد رفعوا حكم العدل الذي يراعونه في بعث أعضاء البدن ، إلا أن يجعلوا للأجزاء المخصوصة بالبعث خصوصية معنى زائد عليها ، وهو أنها في حال الحياة الأولى كانت مادة للأجزاء المقومة للحياة ، فيكون القول بذلك هو تحكم ، لا فائدة فيه ولا جدوى ، بوجه من الوجوه : أعنى تخصيص بعض أجزاء الأعضاء المتشابهة ، بالبعث ، دون بعض ، هو القول بتصيير عدم معنى كان سببا في استحقاق شئ لمعنى دون غيره ، وحال العدم الكائن ، والممكن الكون ، الغير الكائن في المادة القابلة لها ، واحدة . وأنت إذا تأملت وتدبرت ، ظهر لك أن الغالب على ظاهر التربة المعمورة جثث الموتى المتربة ، وقد حرث فيها وزرع ، وتكون منها الأغذية ، وتغذى بالأغذية جثث أخرى ، فأنى يمكن بعث مادة ، كانت حاصلة لصور في إنسانين في وقتين ، لهما جميعا في وقت واحد بلا قسمة « 1 » ؟ » فأدركت أهمية كتاب « رسالة أضحوية في أمر المعاد » بالنسبة لموقفى ابن سينا والغزالي معا . أما بالنسبة للغزالي ففيه تصحيح لموقفه ، وبيان أنه - في هذه المسألة على الأقل - أمين في حكاية آراء خصومه . وأما بالنسبة لابن سينا ففيها إخراج لموقفه عن نطاق التردد والتعارض إلى نطاق آخر أوضحته في مقدمتي لهذه الرسالة التي رأيت ضرورة نشرها . هكذا في هاتين المسألتين : ( ا ) مسألة استحالة حدوث العالم . ( ب ) ومسألة استحالة البعث الجسماني . يظهر الغزالي أمينا في خصومته ، دقيقا في روايته .
--> ( 1 ) رسالة أضحوية في أمر المعاد ، ص 55 ، 6 ، 7 ، طبع دار الفكر العربي سنة 1949 .