أبو حامد الغزالي

209

تهافت الفلاسفة

في الوجود ، إذ ليس فيهم شئ بالقوة ، حتى يخرج إلى الفعل ، فإذن كما لهم ، في الغاية القصوى ، بالإضافة إلى ما سوى اللّه تعالى . والملائكة السماوية ، هي عبارة عن النفوس المحركة للسموات ، وفيها « 1 » ما هو بالقوة ، وكمالاتها منقسمة ، إلى ما هو بالفعل ، كالشكل الكرى والهيأة ، وذلك حاضر ، وإلى ما هو بالقوة ، وهو الهيأة في الوضع ، والأين ، وما من وضع معين إلا وهو ممكن له ، ولكن ليس له سائر الأوضاع بالفعل ، فإن الجمع بين جميعها ، غير ممكن فلما لم يمكنها استيفاء آحاد الأوضاع على الدوام ، قصدت استيفاءها بالنوع ، فلا يزال يطلب وضعا ، بعد وضع ، وأينا بعد أين ، ولا ينقطع قط ، هذا الإمكان ، فلا تنقطع هذه الحركات ، وإنما قصده التشبه بالمبدأ الأول ، في نيل الكمال الأقصى ، على حسب الإمكان في حقه ، وهو معنى طاعة الملائكة السماوية للّه تعالى . وقد حصل لها التشبه من وجهين : أحدهما : استيفاء كل وضع ممكن له ، بالنوع ، وهو المقصود بالقصد الأول . والثاني : ما يترتب على حركته ، من اختلاف النسب ، في التثليث ، والتربيع ، والمقارنة ، والمقابلة ، واختلاف الطوالع ، بالنسبة إلى الأرض ؛ فيفيض منه الخير على ما تحت فلك القمر ، ويحصل منه هذه الحوادث كلها ، فهذا وجه استكمال النفس السماوية . وكل نفس عاقلة ، فمتشوقة إلى الاستكمال بذاتها . والاعتراض ، على هذا هو أن في مقدمات هذا الكلام ، ما يمكن النزاع فيه ، ولكنا لا نطوّل به ، ونعود إلى الغرض الذي عينتموه آخرا ، ونبطله من وجهين :

--> ( 1 ) أي السماوات .