أبو حامد الغزالي
208
تهافت الفلاسفة
مسألة في إبطال ما ذكروه من الغرض المحرك للسماء وقد قالوا : إن السماء مطيعة للّه تعالى ، بحركتها ، ومتقربة إليه ، لأن كل حركة بالإرادة ، فهي لغرض ، إذ لا يتصور أن يصدر الفعل والحركة من حيوان ، إلا إذا كان الفعل أولى به من الترك ، وإلا فلو استوى الفعل ، والترك ، لما تصور الفعل . ثم التقرب إلى اللّه تعالى ، ليس معناه طلب الرضى ، والحذر من السخط ، فإن اللّه تعالى يتقدس عن السخط والرضى ، وإن أطلقت هذه الألفاظ ، فعلى سبيل المجاز ، يكنّى بها ، عن إرادة العقاب ، وإرادة الثواب . ولا يجوز أن يكون التقرب ، بطلب القرب منه في المكان ، فإنه محال . فلا يبقى إلا طلب القرب منه في الصفات ، فإن الوجود الأكمل ، وجوده ، وكل وجود فبالإضافة إلى وجوده ناقص ، وللنقصان درجات وتفاوت ، فالملك أقرب إليه صفة لا مكانا ، وهو المراد بالملائكة المقربين ، أعنى الجواهر العقلية ، التي لا تتغير ، ولا تفنى ، ولا تستحيل ، وتعلم الأشياء على ما هي عليه ، والإنسان كلما ازداد قربا ، من الملائكة في الصفات ، ازداد قربا من اللّه تعالى ، ومنتهى طبقة الآدميين ، التشبه بالملائكة . وإذا ثبت أن هذا معنى التقرب إلى اللّه تعالى ، وأنه يرجع إلى طلب القرب منه في الصفات ، وذلك للآدمى ، بأن يعلم حقائق الأشياء ، وبأن يبقى بعد موته ، بقاء مؤبدا ، على أكمل أحواله الممكنة له ، فإن البقاء على الكمال الأقصى هو للّه تعالى ، والملائكة المقربون كلّ ما يمكن لهم من الكمال ، فهو حاضر معهم