أبو حامد الغزالي

207

تهافت الفلاسفة

تميّز جسم السماء بتلك الصفة ، التي بها فارق غيره من الأجسام ، وسائر الأجسام أيضا أجسام ، فلم حصل فيه ، ما لم يحصل في غيره ؟ ! ، فإن علّل ذلك بصفة أخرى ، توجه السؤال في الصفة الأخرى ، وهكذا ، يتسلسل إلى غير نهاية ، فيضطرون بالآخرة ، إلى الحكم بالإرادة ؛ وأن في المبادئ ، ما يميز الشئ عن مثله ، ويخصصه بصفة عن أمثالها . الثالث ، هو أنا نسلم أن السماء ، اختصت بصفة ، تلك الصفة مبدأ الحركة ، كما اعتقدوه في هوى الحجر إلى أسفل ، إلا أنها لا تشعر بها ، كالحجر . وقولهم : إن المطلوب بالطبع ، لا يكون مهروبا منه بالطبع ، فتلبيس ، لأنه ليس ثمّ ، أماكن متفاضلة بالعدد عندهم ، بل الجسم واحد ، والحركة الدورية واحدة ، فلا للجسم جزء بالفعل ، ولا للحركة جزء بالفعل ، وإنما تتجزأ بالوهم ، فلبست تلك الحركة ، لطلب مكان ، ولا للهرب من مكان ، فيمكن أن يخلق جسم ، في ذاته معنى يقتضى حركة دورية ، وتكون الحركة نفسها ، مقتضى ذلك المعنى ، لا أن مقتضى المعنى طلب المكان ، ثم تكون حركة للوصول إليه . وقولكم : إن كل حركة ، فهي لطلب مكان ، أو هرب منه ، إذا كان ضروريا ، فكأنكم جعلتم طلب المكان ، مقتضى الطبع . وجعلتم الحركة غير مقصودة في نفسها ، بل وسيلة إليه ، ونحن نقول : لا يبعد ، أن تكون الحركة نفس المقتضى ، لا طلب المكان ، فما الذي يحيل ذلك ؟ ! . فاستبان أن ما ذكروه ، إن ظنّ أنه أغلب من احتمال آخر ، فلا يتيقن قطعا ، انتفاء غيره ، فالحكم على السماء بأنها حيوان ، تحكم محض ، لا مستند له .