أبو حامد الغزالي

206

تهافت الفلاسفة

قائمة ، ولكن إن نقل إلى مكان لا يلائمه ، هرب منه إلى الملائم ، كما هرب المملوء بالهواء ، من وسط الماء ، إلى حيز الهواء . والحركة الدورية ، لا يتصور أن تكون طبيعية ، لأن كل وضع وأين ، يفرض الهرب منه ، فهو عائد إليه ، والمهروب منه بالطبع ، لا يكون مطلوبا بالطبع ، ولذلك لا ينصرف ، زق مملوء من الهواء ، إلى باطن الماء ، ولا الحجر ينصرف ، بعد الاستقرار على الأرض ، فيعود إلى الهواء . فلم يبق إلا القسم الثالث ، وهو الحركة الإدارية . الاعتراض ، هو أن نقول : نحن نقدّر ثلاثة احتمالات ، سوى مذهبكم ، لا برهان على بطلانها . الأول ، أن تقدّر حركة السماء قهرا ، بجسم آخر ، مريد لحركتها ، يديرها على الدوام وذلك الجسم المحرك ، لا يكون كرة ، ولا يكون محيطا ، فلا يكون سماء فيبطل قولهم : إن حركة السماء إرادية ، وإن السماء حيوان ، وهذا الذي ذكرناه ، ممكن الوجود ، وليس في دفعه إلا مجرد الاستبعاد . الثاني ، هو أن يقال : الحركة قسرية ، ومبدؤها إرادة اللّه تعالى ، فإنا نقول : حركة الحجر إلى أسفل أيضا قسرية ، تحدث بخلق اللّه تعالى فيه ، الحركة ، وكذا القول في سائر حركات الأجسام ، التي ليست حيوانية . فيبقى استبعادهم ، أن الإرادة لم اختصت به ؟ ! ، وسائر الأجسام تشاركها في الجسمية . فقد بيّنا ، أن الإرادة القديمة ، من شأنها تخصيص الشئ عن مثله ، وأنهم مضطرون إلى إثبات صفة هذا شأنها ، في تعيين جهة الحركة الدورية ، وفي تعيين موضع القطب والنقطة ، فلا نعيده . والقول الوجيز ، أن ما استبعدوه في اختصاص الجسم ، بتعلق الإرادة به ، من غير مميز بصفة ، ينقلب عليهم ، في تميزه بتلك الصفة ، فإنا نقول : ولم