أبو حامد الغزالي

205

تهافت الفلاسفة

حركة الحجر إلى أسفل ، والإرادة في حركة الحيوان مع القدرة ، وإما أن يكون المحرك خارجا ، ولكن يحرك على طريق القسر ، كدفع الحجر إلى فوق . وكل ما يتحرك بمعنى في ذاته ، فإما أن لا يشعر ذلك الشئ ، بالحركة ، ونحن نسميه طبيعة كحركة الحجر إلى أسفل ، وإما أن يشعر بها ، ونحن نسميه إراديا ونفسانيا . فصارت الحركة بهذه التقسيمات الحاصرة ، الدائرة بين النفي والإثبات ، إما قسرية وإما طبيعية وإما إرادية ، وإذا بطل قسمان تعين الثالث . ولا يمكن أن يكون قسريا ، لأن المحرك القاسر ، إما جسم آخر ، يتحرك بالإرادة أو بالقسر ، وينتهى لا محالة ، إلى إرادة ، ومهما ثبت في أجسام السماوات ، متحرك بالإرادة ، فقد حصل الغرض ؛ فأي فائدة في وضع حركات قسرية ، وبالآخرة لا بد من الرجوع إلى الإرادة ؟ ! . وإما أن يقال إنه يتحرك بالقسر ، واللّه تعالى هو المحرك بغير واسطة ، وهو محال ، لأنه لو تحرك به من حيث إنه جسم ، وأنه خالقه ، للزم أن يتحرك كل جسم ، فلا بد أن تختص الحركة بصفة ، بها يتميز عن غيره من الأجسام ، وتلك الصفة هي المحرك القربى ، فإما الإرادة أو الطبع ، ولا يمكن أن يقال : إن اللّه تعالى يحركه بالإرادة ، لأن إرادته تناسب الأجسام نسبة واحدة ، فلم استعد هذا الجسم ، على الخصوص ، لأن يراد تحريكه دون غيره ، ولا يمكن أن يكون ذلك جزافا ، فإن ذلك محال ، كما سبق في مسألة حدوث العالم . وإذا ثبت أن هذا الجسم ، ينبغي أن يكون فيه صفة هي مبدأ الحركة ، بطل القسم الأول ، وهو تقدير الحركة القسرية . فيبقى أن يقال : هي طبيعية ، وهو غير ممكن ، لأن الطبيعة بمجردها ، قطعا لا تكون سببا للحركة ، لأن معنى الحركة ، هرب من مكان ، وطلب لمكان آخر ، فالمكان الذي فيه الجسم ، إن كان ملائما له ، فلا يتحرك عنه ؛ ولهذا لا يتحرك زق مملوء من الهواء ، على وجه الماء ، إلى أسفل ، وإذا غمس في الماء ، تحرك إلى وجه الماء ، لأنه وجد المكان الملائم ، فسكن ، والطبيعة معه