أبو حامد الغزالي

200

تهافت الفلاسفة

فيبقى قولهم : إن الإضافة إلى المعلوم المعين ، داخلة في حقيقته « 1 » ، ومهما اختلفت الإضافة ، اختلف الشئ الذي الإضافة ذاتية له ، ومهما حصل الاختلاف والتعاقب ، فقد حصل التغير . فنقول : إن صح هذا ، فاسلكوا مسلك إخوانكم من الفلاسفة حيث قالوا : إنه لا يعلم إلا نفسه ، وإن علمه بذاته عين ذاته ؛ لأنه لو علم الإنسان المطلق ، والحيوان المطلق ، والجماد المطلق ، وهذه مختلفات لا محالة ، فالإضافات إليها تختلف لا محالة ، فلا يصلح العلم الواحد لأن يكون علما بالمختلفات ، لأن المضاف مختلف ، والإضافة مختلفة ، والإضافة إلى المعلوم ذاتية للعلم ، فيوجب ذلك تعددا واختلافا ، لا تعددا فقط مع التماثل ، إذ المتماثلات ما يسد بعضها مسد بعض ، والعلم بالحيوان ، لا يسد مسد العلم بالجماد ، والعلم بالبياض ، لا يسد مسد العلم بالسواد ، فهي مختلفات . ثم إن هذه الأنواع والأجناس ، والعوارض الكلية ، لا نهاية لها ، وهي مختلفة ، والعلوم المختلفة ، كيف تنطوى تحت علم واحد ؟ ! ، ثم ذلك العلم ، هو ذات العالم ، من غير مزيد عليه . وليت شعري كيف يستجيز العاقل من نفسه ، أن يحيل الاتحاد في العلم بالشئ الواحد ، المنقسمة أحواله : إلى الماضي ، والمستقبل ، والآن ، وهو لا يحيل الاتحاد في العلم المتعلق ، بجميع الأجناس والأنواع المختلفة ، والاختلاف والتباعد بين الأجناس والأنواع المتباينة ، أشد من الاختلاف الواقع ، بين أحوال الشئ الواحد ، المنقسم بانقسام الزمان ؛ وإذا لم يوجب ذلك تعددا واختلافا ، فكيف يوجب هذا تعددا واختلافا ؟ ! . ومهما ثبت بالبرهان ، أن اختلاف الأزمان ، دون اختلاف الأجناس والأنواع ، وأن ذلك لم يوجب التعدد والاختلاف ، فهذا أيضا لا يوجب الاختلاف .

--> ( 1 ) أي في حقيقة العلم .