أبو حامد الغزالي

201

تهافت الفلاسفة

وإذا لم يوجب الاختلاف ، جازت الإحاطة بالكل ، بعلم واحد ، دائم في الأزل والأبد ، ولا يوجب ذلك تغيرا في ذات العالم . الاعتراض الثاني هو أن يقال : وما المانع على أصلكم من أن يعلم هذه الأمور الجزئية ، وإن كان يتغير ؟ ! ، وهلا اعتقدتم : أن هذا النوع من التغير ، لا يستحيل عليه ، كما ذهب « جهم » من « المعتزلة » إلى أن علومه بالحوادث حادثة ، وكما اعتقد « الكرامية » من عند آخرهم ، أنه محل للحوادث ؛ ولم ينكر جماهير أهل الحق عليهم ، إلا من حيث أن المتغير ، لا يخلو عن التغير وما لا يخلو عن التغير والحوادث ، فهو حادث ، وليس بقديم . وأما أنتم فمذهبكم أن العالم قديم ، وأنه لا يخلو عن التغير ، فإذا عقلتم قديما متغيرا ، فلا مانع لكم من هذا الاعتقاد . فإن قيل : إنما أحلنا ذلك ، لأن العلم الحادث في ذاته ، لا يخلو : إما أن يحدث من جهته ، أو من جهة غيره . وباطل أن يحدث منه ، فإنا بيّنّا أن القديم ، لا يصدر منه حادث ، ولا يصير فاعلا ، بعد أن لم يكن فاعلا ، فإنه يوجب تغيرا ، وقد قررناه في مسألة حدوث العالم . وإن حصل ذلك في ذاته من جهة غيره ، فكيف يكون غيره مؤثرا فيه ومغيرا له ، حتى تتغير أحواله ، على سبيل التسخير والاضطرار ، من جهة غيره ؟ ! . قلنا : كل واحد من القسمين غير محال على أصلكم . أما قولكم : إنه يستحيل أن يصدر ، من القديم حادث ، هو أول الحوادث ، فقد أبطلناه في تلك المسألة ، كيف ؟ ! ، وعندكم يستحيل أن يصدر من القديم حادث ، هو أول الحوادث ، فشرط استحالته ، كونه