أبو حامد الغزالي
193
تهافت الفلاسفة
وهذه العلوم الثلاثة متعددة ومختلفة ، وتعاقبها على المحل يوجب تغير الذات العالمة ، فإنه لو علم بعد الانجلاء ، أن الكسوف موجود الآن ، كما كان قبل ، لكان جهلا لا علما ، ولو علم عند وجوده أنه معدوم ، لكان جاهلا ، فبعض هذه لا يقوم مقام بعض . فزعموا أن اللّه تعالى ، لا تختلف حاله ، في هذه الأحوال الثلاثة ، فإنه يؤدى إلى التغير ، وما لم تختلف حاله ، لم يتصور أن يعلم هذه الأمور الثلاثة ، فإن العلم يتبع المعلوم ، فإذا تغير المعلوم ، تغير العلم ، وإذا تغير العلم ، فقد تغير العالم لا محالة ، والتغير على اللّه تعالى محال . ومع هذا زعم : أنه يعلم الكسوف وجميع صفاته وعوارضه ، ولكن علما هو متصف به في الأزل والأبد ، ولا يختلف ، مثل أن يعلم مثلا ، أن الشمس موجودة ، وأن القمر موجود ، فإنهما حصلا منه ، بوساطة الملائكة ، التي سموها باصطلاحهم ، عقولا مجردة ؛ ويعلم أنها تتحرك ، حركات دورية ، ويعلم أن بين فلكيهما تقاطعا ، على نقتطتين هما الرأس والذنب ، وأنهما يجتمعان في بعض الأحوال ، في العقدتين ، فتنكسف الشمس ، أي يحول جرم القمر ، بينها وبين أعين الناظرين ، فتستتر الشمس عن الأعين ، وأنه إذا جاوز العقدة مثلا ، بمقدار كذا ، وهو سنة مثلا ، فإنها تنكسف مرة أخرى ، وأن ذلك الانكساف يكون في جميعها ، أو ثلثها ، أو نصفها ، وأنه يمكث ساعة أو ساعتين ، وهكذا إلى جميع أحوال الكسوف وعوارضه ؛ ولا يعزب عن علمه شئ ، ولكن علمه بهذا ، قبل الكسوف ، وفي حال الكسوف ، وبعد الانجلاء ، على وتيرة واحدة ، لا يختلف ، ولا يوجب تغيرا في ذاته . وكذا علمه بجميع الحوادث ، فإنها إنما تحدث بأسباب ، وتلك الأسباب لها أسباب أخر ، إلى أن تنتهى إلى الحركة الدورية ، السماوية . وسبب الحركة الدورية نفس السماوات ، وسبب تحريك النفوس ، الشوق إلى التشبه باللّه تعالى ، والملائكة المقربين . فالكل معلوم له ، أي هو منكشف له ، انكشافا واحدا متناسبا ، لا يؤثر