أبو حامد الغزالي

194

تهافت الفلاسفة

فيه الزمان ، ومع هذا ، فحال الكسوف ، لا يقال : إنه يعلم أن الكسوف موجود الآن ، ولا يعلم بعده أنه انجلى الآن . وكل ما يجب في معرفته الإضافة إلى الزمان ، فلا يتصور أن يعلمه ، لأنه يوجب التغير . هذا فيما ينقسم بالزمان ، وكذا مذهبهم فيما ينقسم بالمادة والمكان ، كأشخاص الناس والحيوانات ، فإنهم يقولون : لا يعلم عوارض زيد وعمرو وخالد ، وإنما يعلم الإنسان المطلق بعلم كلى ، ويعلم عوارضه ، وخواصه ، وأنه ينبغي أن يكون بدنه مركبا من أعضاء ، بعضها للبطش ، وبعضها للمشي ، وبعضها للإدراك ، وبعضها زوج ، وبعضها فرد ، وأن قواه ينبغي أن تكون مبثوثة في أجزائه ، وهلم جرا ، إلى كل صفة في خارج الآدمي وباطنه ، وكل ما هو من لواحقه ، وصفاته ، ولوازمه ، حتى لا يعزب عن علمه شئ ، ويعلمه كليا . فأما شخص زيد ، فإنما يتميز عن شخص عمرو ، للحس « 1 » لا للعقل ، فإن عماد التميز ، إليه الإشارة إلى جهة معينة ، والعقل يعقل الجهة المطلقة الكلية والمكان الكلى ، فأما قولنا : « هذا » و « هذا » فهو إشارة إلى نسبة حاصلة لذلك المحسوس ، إلى الحاس ، لكونه منه على قرب ، أو بعد ، أو جهة معينة ، وذلك يستحيل في حقه . وهذه « 2 » قاعدة اعتقدوها ، واستأصلوا بها الشرائع بالكلية ، إذ مضمونها ، أن

--> ( 1 ) أي أن الذي يتبين ذلك التميز هو قوة الحس ، لا قوة العقل . ( 2 ) هذا هو فهم الغزالي في نظرة الفلاسفة الإسلاميين إلى العلم الإلهى ، ويحسن بنا أن نقرأ بأنفسنا نص عبارتهم في هذا المقام ، وإليك ما قاله « ابن سينا » في الإشارات : إشارة : الأشياء الجزئية قد تعقل كما تعقل الكليات ، من حيث تجب بأسبابها ، منسوبة إلى مبدأ ، نوعه في شخصه ، تتخصص به ، كالكسوف الجزئي ، فإنه قد يعقل وقوعه ، بسبب توافى أسبابه الجزئية وإحاطة العقل بها وتعقلها ، كما تعقل الكليات . وذلك غير الإدراك الجزئي الزماني لها ، الذي يحكم أنه وقع الآن ، أو قبله ، أو يقع بعده . بل مثل أن يعقل ، أن كسوفا جزئيا ، يعرض عند حصول القمر - وهو جزئي ما - وقت كذا - وهو جزئي ما - في مقابلة كذا . ثم ربما وقع ذلك الكسوف ، ولم تكن عند العقل الأول إحاطة بأنه وقع أو لم يقع ؛ وإن كان معقولا له على النحو الأول ، لأن هذا إدراك آخر جزئي ، يحدث مع حدوث المدرك ، ويزول مع زواله . وذلك الأول يكون ثابتا الدهر كله ، وإن كان علما بجزئى ، وهو أن العاقل يعقل ، أن بين كون القمر في موضع كذا ، وبين كونه في موضع كذا ، يكون كسوف معين ، في وقت معين من زمان أول الحالين محدود ؛ عقله ذلك أمر ثابت ، قبل كون الكسوف ، ومعه وبعده . تنبيه وإشارة : قد تتغير الصفات للأشياء على وجوه : منها مثل أن يسود الذي كان أبيض ، وذلك باستحالة صفة متقررة ، غير مضافة . ومنها مثل أن يكون الشئ ، قادرا على تحريك جسم ما ، فلو عدم ذلك الجسم ، استحال أن يقال : إنه قادر على تحريكه ، فاستحال إذن هو عن صفته ، ولكن من غير تغير في ذاته ، بل في إضافته ، فإن كونه قادرا صفة له واحدة ، تلحقها إضافة إلى أمر كلى ، من تحريك أجسام بحال ما مثلا ، لزوما أوليا ذاتيا ، ويدخل في ذلك زيد ، وعمرو ، وحجارة ، وشجرة ، دخولا ثانيا ، فإنه ليس كونه قادرا ، متعلقا به الإضافات المعينة ، تعلق ما لابد منه ، فإنه لو لم يكن زيد أصلا في الإمكان ، ولم تقع إضافة القوة إلى تحريكه أبدا ، ما ضر ذلك في كونه قادرا على التحريك . فإذن أصل كونه قادرا ، لا يتغير بتغير أحوال المقدور عليه من الأشياء ، بل إنما تتغير الإضافات الخارجة فقط . فهذا القسم كالمقابل للذي قبله . ومنها مثل أن يكون الشئ عالما بأن شيئا ليس ، ثم يحدث الشئ ، فيصير عالما بأن الشئ أيس ، فتتغير الإضافة والصفة المضافة معا ، فإن كونه عالما بشئ ما ، تختص الإضافة به ، حتى إنه إذا كان عالما بمعنى كلى ، لم يكف ذلك في أن يكون عالما بجزئى جزئي ، بل يكون العلم بالنتيجة ، علما مستأنفا ، تلزمه إضافة مستأنفة ، وهيأة للنفس مستجدة ، لها إضافة مستجدة مخصوصة ، غير العلم بالمقدمة ، وغير هيأة تحققها ، لا كما كان في كونه قادرا ، له بهيئة واحدة ، إضافات شتى . فهذا إذا اختلف حال المضاف إليه ، من عدم ووجود ، وجب أن يختلف حال الشئ ، الذي له الصفة ، لا في إضافة الصفة نفسها فقط بل وفي الصفة التي تلزمها تلك الإضافة أيضا . فما ليس موضوعا للتغير ، لم يجز أن يعرض له تبدل بحسب القسم الأول ، ولا بحسب القسم الثالث وأما بحسب القسم الثاني فقد يجوز في إضافات بعيدة لا تؤثر في الذات . نكتة : كونك بمينا وشمالا ، إضافة محضة ، وكونك قادرا وعالما ، هو كونك في حال متقررة في نفسك تتبعها إضافة لازمة أو لاحقة ، فأنت بهما ذو حال مضافة ، لا ذو إضافة محضة . تذنيب : فالواجب الوجود ، يجب ألا يكون علمه بالجزئيات ، علما زمانيا ، حتى يدخل فيه ، الآن ، والماضي ، والمستقبل ، فيعرض لصفة ذاته ، أن تتغير ، بل يجب أن يكون علمه بالجزئيات ، على الوجه المقدس العالي ، على الزمان والدهر . ويجب أن يكون عالما بكل شئ ، لأن كل شئ لازم بوسط ، أو بغير وسط ، يتأدى إليه بعينه قدره ، الذي هو تفصيل قضائه الأول ، تأديا واجبا ، إذ كان ما لا يجب لا يكون كما علمت » . ص 182 ط ليدن . هذا هو نص « ابن سينا » الذي يتحدث الغزالي عنه وعن « الفارابي » حين يقرر هذه القاعدة وقد عرفت رأى الغزالي فيه ، وقد وافقه في هذا الفهم كثيرون ، نذكر من بينهم الإمام « الرازي » شارح الإشارات حيث يقول ص 77 ج 2 « لما فرغ من بيان أن الجزئيات كيف تعلم حتى يلزم التغير ، وكيف تعلم حتى لا يلزم التغير ، وكان التغير على واجب الوجود ممتنعا ، صرح في هذا الفصل بالنتيجة ، فقال يجب ألا يكون عالما بالجزئيات علما زمانيا متغيرا ، ويجب أن يكون عالما بها على الوجه الثاني ، الذي لا يتغير بتغير الزمان » . وأيضا « الطوسي » حيث يقول ، تعليقا على النص ، شارحا ومعترضا ، ص 77 ج 2 « واعلم أن هذه السياقة ، تشبه سياقة الفقهاء ، في تخصيص بعض الأحكام العامة ، بأحكام تعارضها في الظاهر ، وذلك لأن الحكم بأن العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول ، إن لم يكن كليا ، لم يمكن أن يحكم بإحاطة الواجب بالكل ؛ وإن كان كليا ، وكان الجزئي المتغير ، من جملة معلولاته ، أوجب ذلك الحكم أن يكون عالما به لا محالة . فالقول بأنه لا يجوز أن يكون عالما به ، لا متناع كون الواجب موضوعا للتغير ، تخصيص لذلك الحكم الكلى بحكم آخر عارضه في بعض الصور ، وهذا دأب الفقهاء ، ومن يجرى مجراهم . ولا يجوز أن يقع أمثال ذلك في المباحث المعقولة ، لا متناع تعارض الأحكام فيها ، فالصواب أن يؤخذ بيان هذا المطلوب من مأخذ آخر ، وهو أن يقال : العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول ، ولا يوجب الإحساس به ، وإدراك الجزئيات المتغيرة ، من حيث هي متغيرة ، لا يمكن إلا بالآلات الجسمانية ، كالحواس وما يجرى مجراها ، والمدرك بذلك الإدراك يكون موضوعا للتغير لا محالة ، أما إدراكها على الوجه الكلى ، فلا يمكن إلا أن يدرك بالعقل ، والمدرك بهذا الإدراك يمكن ألا يكون موضوعا للتغير . فإذن الواجب الأول ، وكل ما لا يكون موضوعا للتغير ، بل كل ما هو عاقل ، يمتنع أن يدركها - من جهة ما هو عاقل - على الوجه الأول ، ويجب أن يدركها على الوجه الثاني . » ذاك هو فهم « الغزالي » و « الرازي » و « الطوسي » في النص ولكنه غير معين فيه ، بل هناك متسع لسواه ، « فالشيرازى » صاحب « المحاكمات » يقول - نقلا عن حاشية « الإمام محمد عبده » على العقائد العضدية ، ص 112 - : « إن اعتراضه - يعنى الطوسي - وارد على ما فهمه هو من كلام الشيخ - يعنى « ابن سينا » - لا على مراد الشيخ ، كما حققناه ، لما أن العلم بالجزئيات المتغيرة ، إنما يكون متغيرا ، لو كان ذلك العلم زمانيا ، أي مختصا بزمان ، دون زمان ، ليتحقق العلم في زمان ، وعدمه في زمان آخر ، كما في علومنا . وأما على الوجه المقدس عن الزمان ، بأن يكون الواجب تعالى ، عالما أزلا وأبدا ، بأن زيدا داخل في الدار في زمان كذا ، وخارج منها في زمان كذا ، بعده أو قبله ، - بالجمل الإسمية ، لا بالفعلية الدالة على أحد الأزمنة - ؛ فلا تغير أصلا ، لأن جميع الأزمنة ، كجميع الأمكنة ، حاضرة عنده تعالى ، أزلا وأبدا ، فلا حال ولا حاضر ، ولا مستقبل ، بالنسبة إلى صفاته تعالى ، كما لا قريب ولا بعيد ، من الأمكنة بالنسبة إليه تعالى . وأما أن إدراك الجزئيات المتغيرة ، من حيث تغيرها ، لا يكون إلا بالآلات الجسمانية ، فممنوع بل إنما هو بالقياس إلينا أيضا » . وظاهر أن هذه نزعة أخرى تحاول أن تفهم النص على خلاف ما فهمه الغزالي وشيعته . ويعلق « الإمام محمد عبده » على هذه المحاولة بقوله « وكلام الشيخ - يعنى « ابن سينا » - على هذا المحمل - يعنى محمل صاحب المحاكمات - من أحسن الكلام في هذا الباب ، وهو تحقيق مذهب الفلاسفة . وهذا الذي قد اشتهر عنهم ، شئ أخذ من ظاهر عباراتهم ، وجرى عليه بعض المتفلسفين ، جهلا ، فرجموا ظنا بغير علم . بل صريح عبارة الشيخ « أبى نصر الفارابي » في « الفصوص » أنه يعلم الجزئيات الشخصية ، على وجه شخصيتها » . هذان لونان من الأفهام ، حاولا أن يفسرا النص ، ويشرحاه ، وهما متضاربان متباينان ، ولم أر بأسا في أن أطيل بذكرهما ، فإن الأمر جد خطير ، كما سنعرفه آخر الكتاب إن شاء اللّه .