أبو حامد الغزالي
192
تهافت الفلاسفة
مسألة في إبطال قولهم : إن اللّه - تعالى عن قولهم - لا يعلم الجزئيات المنقسمة بانقسام الزمان : إلى الكائن ، وما كان ، وما يكون وقد اتفقوا على ذلك ، فإن من ذهب منهم إلى أنه لا يعلم إلا نفسه ، فلا يخفى هذا من مذهبه ، ومن ذهب إلى أنه يعلم غيره - وهو الذي أختاره « ابن سينا » - فقد زعم أنه يعلم الأشياء ، علما كليا ، لا يدخل تحت الزمان ، ولا يختلف بالماضي والمستقبل والآن ؛ ومع ذلك زعم أنه لا يعزب عن علمه ، مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ، إلا أنه يعلم الجزئيات بنوع كلى . ولا بد أولا من فهم مذهبهم ، ثم الاشتغال بالاعتراض . ونبين هذا بمثال ، وهو أن الشمس مثلا ، تنكسف بعد أن لم تكن منكسفة ، ثم تنجلى ، فتحصل لها ثلاثة أحوال - أعنى الكسوف : - ( ا ) حال هو فيها معدوم ، منتظر الوجود ، أي سيكون . ( ب ) وحال هو فيها موجود ، أي هو كائن . ( ج ) وحال ثالثة هو فيها معدوم ، ولكنه كان من قبل . ولنا بإزاء هذه الأحوال الثلاثة ، ثلاثة علوم مختلفة . ( ا ) فإنا نعلم أولا ، أن الكسوف معدوم ، وسيكون . ( ب ) وثانيا أنه كائن . ( ج ) وثالثا أنه كان ، وليس كائنا الآن .