أبو حامد الغزالي

188

تهافت الفلاسفة

ترك الفلسفة ، والاعتراف بأن العالم حادث بالإرادة . ثم يقال : بم تنكرون على من يقول من الفلاسفة : إن ذلك ليس بزيادة شرف ، فإن العلم إنما احتاج إليه غيره ، ليستفيد به كمالا ، فإنه في ذاته ناقص ، والإنسان شرف بالمعقولات ، إمّا ليطلع على مصالحه في العواقب ، في الدنيا والآخرة ، وإما لتكمل ذاته المظملة الناقصة ، وكذا سائر المخلوقات . وأما ذات اللّه سبحانه وتعالى ، فمستغنية عن التكميل ، بل لو قدّر له علم يكمل به ، لكانت ذاته ، من حيث ذاته ، ناقصة . وهذا كما قلت في السمع والبصر ، وفي العلم بالجزئيات الداخلة تحت الزمان ، فإنك وافقت سائر الفلاسفة ، على أن اللّه تعالى منزه عنه ، وأن المتغيرات الداخلة في الزمان ، المنقسمة إلى ما « كان » و « سيكون » لا يعرفها الأول ، لأن ذلك يوجب تغيرا في ذاته ، وتأثيرا ؛ ولم يكن في سلب ذلك عنه نقصان ، بل هو كمال ، وإنما النقصان في الحواس والحاجة إليها ، ولولا نقصان الآدمي ، لما احتاج إلى حواس ، لتحرسه عما يتعرض للتضرر « 1 » به . وكذلك العلم بالحوادث الجزئية ، زعمتم أنه نقصان ، فإذا كنا نعرف الحوادث كلها ، وندرك المحسوسات كلها ، والأول لا يعرف شيئا من الجزئيات ، ولا يدرك شيئا من المحسوسات ، ولا يكون ذلك نقصانا ، فالعلم بالكليات العقلية أيضا ، يجوز أن يثبت لغيره ، ولا يثبت له ، ولا يكون فيه نقصان أيضا ، وهذا لا مخرج منه .

--> ( 1 ) في الأصل « للتغير » .